تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الاسلام بصبغته ومفاهيمه، وهذا المشروع ليس له تعلق كما ترى بشخص أو أشخاص، بل هو مشروع يتعلق بإيجاد أمة تحيى لترث أمة أخرى.

كل هذا، من مفهوم "الفتح" القرآني، ومن تصور تحقيقه، ومن معرفة واقع الجاهلية وحقيقة الاسلام يعني أمراً واحداً أن الجهاد هو آلة الاسلام وأهل الاسلام في تقويض الجاهلية، وأنه الأسلوب الوحيد لتحقق النصر ووراثة الأرض، وبأي أسلوب كان، أي كعمل تحريضي، أو بإيجاد نماذج هادية، أو بعزل مناطق صغيرة عن سلطان الجاهلية، ليقع الانهاك في القرش/الثور فيقع تفلت المقهورين من السلطان ويتم بناء العالم –كل العالم- على أساس جديد.

أنا أؤمن أن الكفر بسلطانه وتمكنه لن ينتهي من الأرض، وليس هناك من وعد نبوي يدل على هذا، بل هناك اشارات نبوية تدل على عكس ذلك، وهناك خبر صريح أن بلاد الاسلام ستكون خاتمتها باجتياح الصينيين –يأجوج ومأجوج- وعندي بعض الفهم الذي أظنه، وهو أن بلاد الاسلام ستغزى مرة أخرى من الصليبيين –وخاصة بلاد لاشام- أفْهم ذلك من سورة الإسراء ولن أشغل القراء به- ولكن أؤمن كذلك أن ايجاد قوة اسلامية لها قدرة الاستقطاب أمام قطب الكفر الصليبي واستقطاباته أمر كائن وقبل ظهور الآيات، وإني لأرجو من الله أن لا يكون بعيداً، وإن بقيت مسيرة الجهاد على ما هي عليه اليوم ولم تحصل أي طفرات كونية مفاجئة فإن الدلائل تشير لذلك، وقولي -طفرات مفاجئة- لأن الفعل الإنساني لا يسير دوماً في سياق واحد كما هو شأنن سنن المواد الأخرى، فإن الرجل يصبح مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، وهذا شأن القلب فإنه أسرع تقلباً من الماء في القدر إذا استجمعت غليانها، ولكن لابدّ أن هذا سيكون يوماً ما، وهذا من واجبات الأمة الاسلامية وهو تطبيق عملي لخيريتها في كونها أمة ذات هوية وكيان وتمكين، وبهذه الصورة دون غيرها سينشأ ما يسمى بالحضارة الاسلامية، وبغيابها فإن أمة الاسلام هي شيء ذهني لا حقيقة له، لأن شرط مفهوم الأمة أن يكون هناك تمكين لأسس هذه الأمة وعقيدتها وتصوراتها عن الوجود والحياة، وبهذا الفهم يمكن لنا أن ندرك قوله تعالى"الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور))، ولتكتمل الصورة أجمع مع هذه الآية قوله تعالى "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله"، والمعروف والمنكر له وجوده الفردي من خلال فعل المحتسبين، وله وجوده الكوني من خلال فعل الدولة المسلمة في منع منكر الطاغوت القرش/الثور، وافساده وضلاله، ولذلك فإن أعظم ما خسر العالم بانحطاط المسلمين هو غياب تمكين أمة الإسلام الذي يفزع إليه المظلومون لإنصافهم من بطش طغيان أمم الجاهلية الأخرى، فالحديث عن العدل الإسلامي والرحمة الإسلامية والقيم الإسلامية التي تنصف البشر يجب ألا يستخدم من قبل المفتين الجهلة لترك الجهاد بل مكانه الحقيقي حين يصل الجهاد إلى الفتح المبين والذي حققه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية.

هذا "الفتح" الرباني لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه تجاوز لمقاصد الفرد المسلم من أجل تحقيق مقاصد الاسلام الكلية، فقد رجع المسلمون بدون عمرة، وتم التعاقد أن يعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مسلم يأتي من قريش بدون رضا أهله عن ذلك، وهذان الأمران قد وقعا موقعاً شديداً على نفوسهم، فتم من الأحداث ما هو مشهور منها من ألم الصحابة رضوان الله عليهم، والأمر مجموع في قول أنس رضي الله عنه:-"فنحن بين الحزن والكآبة"، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعد نزول هذه الآية"إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً" فقد قال:-"لقد أنزلت عليّ آية أحب إليّ مما على الأرض"، وهي

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٦٨