"علناً" يستجيب لك المئات بل الآلاف، ثم كيف توجب الهجرة لو استجاب لك أهل بلدك كما استجاب وفد عبد القيس في وقت مبكر؟، فهل نحن من يفرض الظرف ليتلاءم مع السلوك الدعوي أم أن السلوك الدعوي يجب أن يستجيب للظرف الواقع؟!
هذا الوصف لمفهوم "الفتح" في هذه السورة، وهو لفظ قرآني يجب الوعي على مدلوله من خلال حادثته التاريخية يدلنا على صواب فعل المجاهدين اليوم، وصحة منطلقاتهم الكلية التي تشكل هدفهم الشرعي الصحيح، فالمجاهدون اليوم هم فقط من يسعى لضرب سلطة الجاهلية وتقويض مظلتها لتحقيق "الفتح" الذي وقع في صلح الحديبية، وهو -على الأقل-هذا هدفه، وقد يخطأ في بعض الفروع، ولكن الخطأ لا يبطل الهدف ولا الطريق الكلي الذي تسعى من خلاله، فالدول اليوم مأسورة لسلطة الطاغوت الأكبر، وهي تدخل في طاعته طوعاً وكرهاً من خلال مؤسساته التي صنعها خلال الحروب الطويلة والقاسية، كالأمم المتحدة ومؤسساتها، ومنظماته الاقتصادية والتحكيمية وغير ذلك، وقد كان من فقه المجاهدين ضرب العدو القريب اقتداءً بأمر الشرع، ثم حدث أن فرض العدو البعيد –الطاغوت الأكبر- نفسه في صور متعددة، وهو ابتداءً لم يكن بعيداً عن القضية، لكن كان يمكن تصور التفريق بين العدو البعيد والعدو القريب، ولكن لأسباب متعددة منها ما هو من فعل المجاهدين ومنها ما هو من فعل غيرهم فرض الطاغوت الأكبر، قريش –وقريش عند بعض أهل العلم اسم مأخوذ من دابة في البحر كبيرة تأكل غيرها هي أقوى ما هناك، وهو قول ابن قتيبة الدنيوري في كتابه المعارف، وقطعاً هو سمك القرش- أقول: فرض الطاغوت الأكبر نفسه للمواجهة، فالصراع يدور حول هذه القضية وهي تقويض سلطانه في المحيط، واليوم هذا المحيط هو العالم كله، لأن الكون كما يقولون صار قرية واحدة بسبب آلات الإتصال وغيرها، وهذا قدر شديد على طوائف الجهاد، وتكليف شاق، لكن هم يملكون اليوم كذلك عوامل نصر كبيرة لم تكن في البحرية الأولى، فمن ذلك هذا المحيط الاسلامي الواسع الذي يملك القدرة على الإثخان بهذا القرش الكبير من خلال التحريض، وسيكون حاله وهو يتحرك في هذا المحيط المتسع كحال ثور المصارعة، اذ تغرس فيه السهام الصغيرة، وهو يجول ويصول، وكلما تحرك تقطعت أوصاله حتى تسدد فيه الضربة النهائية فيصرع (أظن فد ذكرت هذا المثال في موطن آخر للتدليل على قضية أخرى فإن فعلت فإني أعتذر).
مقصد المجاهدين هو تحقيق الكيان المستقل عن سلطة القرش/الثور الأكبر، ولو تأملت مقصد غيرهم لرأيت أن كل غيرهم إنما يسعى لتحقيق الاسلام داخل أحشاء الجاهلية، ووضعه كخط غير داخل النسيج الذي يشكل مملكة هذا القرش/الثور ستسمح لعبادة الجهاد أن تقوم في مناطق عدة، وستسمح لكثير من الناس أن يتحرروا من سلطانه ويعلنوا خروجهم عنه، وهو تحقيق لبعض الفتح لا كله، وهذا لا شك نعمة كبيرة، وهو الذي بدأت بوادره تتحقق بفضل الله تعالى لمن تأمل ذلك.
مما يؤكد هذا أن الطرق الأخرى التي اتبعها أهل البدعة والإنحراف في تحقيق مقاصدهم تسعى إلى الحفاظ على الأمن، أي قوة مركزية الدولة، وتسعى للحفاظ على مؤسساته الأمنية كالجيش والشرطة والمخابرات، ويعني هذا الحفاظ على قوة التابع الصغير، وهي أدوات مباشرة في يد القرش/الثور الكبير، وهذا هو أس من أسس الجهل في معرفة بناء الإسلام لأن أقصى ما يسعى له هؤلاء هو الحفاظ على هيكلية الجاهلية وصبغة هذه الهيكلية ولكن بإلباسها اللباس الاسلامي، وأما المجاهدون –وراث مفهوم الفتح النبوي- فإن فهمهم يقوم على مزاحمة هذا الهيكل كله، وطمس هذه الصبغة كلها وإحلال