تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السابقة للإنهاك الذي أصابها، ولذلك لجأت إلى التفاوض وإرسال الرسل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما اظهارها عزم الصد والقتال فهو مجرد استعراض، تعلم هي أنه لا يمكن أن يأتي بآثاره، ولا يمكن لها أن تقوم به حق القيام.

بعض أهل العلم يظن أن تسمية صلح الحديبية فتحاً من باب تسمية الشيء باسم سببه، أي لكون صلح الحديبية كان سبباً لفتح مكة، وهو قول له وجاهته، ولكن الصحابة كانوا يرفضون هذا المعنى، ويسمون صلح الحديبية نفسه "فتحاً مبيناً"، قال البراء رضي الله عنه للتابعين:- تعدون أنتم الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، ومما يقوي هذا القول ويجعله الأصوب هو حديث البخاري ومسلم من حديث سهل بن حنيف من ذكره خبر عمر الفاروق رضي الله عنه يوم الحديبية وما فعل، ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه عليه، قال سهل:- فنزلت سورة الفتح"، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر، فأقرأه إياها، فقال: يا رسول الله، أوفتح هو؟ قال نعم. بل إن القرآن نفسه وفي السورة نفسها ما يشهد لذلك ويجعل القول الوحيد وهو قوله تعالى:- "لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً"، فقوله تعالى:-"فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً" هو صلح الحديبية لأنه هو وحده الذي حدث عمرة القضية، وهي التي وقع فيها قوله تعالى "لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق" والقرآن يفسّر بعضه بعضاً. لأن قريش تداهنت يومذاك لما رضيت بهذا الشرط وقبلت بهذا الكائن الجديد، رأساً برأس، بل هو أقوى منها، والدليل هو البيعة التي كان معناها أن الدفق الإيماني في نفوس هذا الكائن الجديد ما زال قوياً بل متصاعداً، وهو يملك قوة وإرادة الدفع نحو اهدافه حتى الموت في سبيلها.

بسبب هذا الفتح –وعلى هذا المعنى فقط- انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوته خارج الجزيرة العربية لأن الجزيرة قد انتهت، وأمر دخولها كلها تحت الفتح الكلي يحتاج فقط إلى عامل الزمن، ولن يكون في هذا الزمن القادم أيّ مفاجاءات تحول دون تحققه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسائل إلى ملوك الأرض وحكامها يبلغهم الرسالة، وأما قريش فموقفها موقف المراقب الذي لا يملك شيئاً في دفع القدر المحتوم القادم عليه.

لقد تحقق الفتح من خلال حروب جرت على الوجه الذي وصفه الصحابة يوم لنا ويوم علينا وهو نفس مقالة أبي سفيان في شرحه لهرقل:-"الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه"، وهو الوجه السنني لهذا الكائن الجديد حتى يصل إلى حالة الاستقرار والتمكين، ولذلك فالجهاد هو طريق التمكين الذي يكون هو قاعدة انطلاق الجهاد إلى الجهاد نفسه، ولا يمكن أن يقع الفتح كذلك إلا بجهاد.

إن هذا الوصف لما جرى في الزمن النبوي لا يعني أبداً أنه حالة فورية تجري لدعوة الاسلام في كل وقت، ومع كل الظروف كما يظن البعض، فيسعى أن يشابه التصرف مع اختلاف الظرف السنني، فبدل أن يستجيب للظرف السنني بما يلامئه من الأقدار الشرعية يسعى لأن يطوع نفسه لسبب من الأسباب التي يتخيلها، وهذا جهل خطير يمارسه أقوام تغلب عليهم أوهام الإقتداء بالفعل النبوي على وجه مرضي لا وعي فيه كمن يقول بوجوب السرية أولاً ثم العلنية ثم الهجرة .... إلى آخر ما يقولون، أو كمن يوجب طلب النصرة على وجه خاص رآه هو، وبشروط خاصة، كل ذلك مخالف للعقل لأن الظروف البشرية تختلف، فكيف نوجب السرية مثلاً في مجتمع مسلم بمجرد أن تطلق دعوتك للحق والهدى

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٦٦