كانت الضربة الأولى في أطراف قريش "فرقاناً"، وكان قبول قريش بالتفاوض مع النبي صلى الله عليه وسلم وقبوله معادلاً لهم، يدخل الناس في حلفه كما يدخل الناس في حلف قريش "فتحاً مبيناً".
لقد قبلت قريش القسمة، وهو ما في صلح الحديبية، إذ رضي النبي صلى الله عليه وسلم كل شروطهم التي سألوه إياها، فلا عمرة هذا العام، وأن يرد المسلمين القادمين إليه بغير إذن أهلهم، وأن يسمح للأفراد من داخله أن يذهبوا إليهم دون معارضة (والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون بها حرمات الله إلا أعطيتهم إياه)، كل ذلك مقابل قسمة النفوذ على هؤلاء الأتباع من القوى الصغيرة حتى لو لم يسماوا، انما دخول في أحد الحلفين من غير إذلال وضغط قريش ونظمها ومجالسها وقوانينها. لأن قريش كانت تضغط على هذا المحيط من القبائل وتهدده حتى لا يلتحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، والمحاورة التي جرت بين سعد بن معاذ وأبي جهل تدل على هذا وإليك الخبر الذي رواه ابن مسعود رضي الله عنه يحدث عن سعد بن معاذ أنه قال: كان صديقاً لأمية بن خلف وكان أمية إذا مرّ بالمدينة نزل على سعد، وكان سعد إذا مرّ بمكة نزل على أمية، فلما قدم رسول الله صلى عليه وسلم المدينة انطلق سعد معتمراً، فنزل على أمية بمكة، فقال لأمية:- انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت، فخرج به قريباً من نصف النهار فلقيهما أبو جهل فقال: يا أبا صفوان من هذا معك؟ فقال: سعد، فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمناً وقد آويتم الصباة وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم؟ أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالماً، فقال له سعد ورفع صوته عليه:- أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك على المدينة ..... الخ، وهو بين على المراد.
فهناك الكثير من هؤلاء الذين ينتظرون التفلت من حلف قريش وسلطانها وهيئة أممها لكنهم لا يستطيعون الذهاب، ولكن بمسيرة الجهاد العظيمة والشديدة، والتي كلفت المؤمنين الشهداء والخوف والجوع والتشرد، إذ كل خطوة بل وبعض خطوات نحو هذا الهدف كانت مليئة بالبذل النفسي والاقتصادي، بالأرواح والأموال وصلت إلى هذا المقام العظيم، مقام دخول الأطراف والأتباع في حلف هذا القطب الذي رسخ وجوده مقابل اهتزاز القطب المقابل واضْعافه.
هذا هو الفتح العظيم والواضح الجلي البين، وهو يعني أن الخط الصاعد ومضاده الخط الهابط، مازالا في اتجاهاتهما لعوامل عدة، تصنعها حقيقة هذا الدين حيناً، وتصْنعها رغبات داخلية لدى الطاغوت الأكبر بإعادة السلطان والهيبة، وتصنعها هذه القوى التي التحقت بإحدى القطبين، وكل هذا قد وقع بعد الحديبية وكان سبباً لفتح مكة وانتهاء قريش.
إن قريش لم تصل لهذا الحد إلا بسبب الإنهاك، إنهاك الحرب لها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن قريشاً قد أنهكتها الحرب"، وهي في المقابل قد فعلت في المؤمنين –أي الحرب- الأفاعيل، لكنه وقود الإيمان بالله والإيمان بالدار الآخرة، وعقيدة الإبتلاء، فقريش تنهك فتتعب، والمؤمنون يبتلون فيزدادون إيماناً وتسليماً، ثم هناك فرق بين الخط الصاعد والخط الهابط، بين فتى يكبر ويقوى، وبين شيخ يتهالك فيذوي ويضعف، ولذلك فقد كان خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العمرة هو تعبير عن ضعف قريش، كشف لهذا الضعف الذي وصلت إليه، فكيف يخرج هو وأصحابه إلى عقر قريش في مكة ويعتمر هناك آمناً أمام من كان يتحين الفرص للقضاء عليه وافنائه؟!
إنها حكمة الله تعالى في تدبير أقداره لهذا الدين حيث يجري فيه الجريان السنني في تحقيق النصر له وهزيمته أعدائه، وقد شعرت قريش بهذا وهو أن هذا الإعتمار هو صورة لإذلال سلطانها وهيبتها، لكنها لا تستطيع أن تقاوم مقاومة معاركها