تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كانت غزوة الأحزاب هي نهاية الهجوم القريشي ضد هذه المدينة الناشئة، ومنذ البداية والخط البياني الإيماني في صعود، وخط الكفر القريشي في هبوط، وقريش هي طاغية الجزيرة بلا مدافع في ذلك الزمان، وقد تم الإلتقاء بين الخط الصاعد مع الخط المنهار في غزوة الأحزاب، ثم واصل كل خط مسيرته، فكان بعد ذلك أن انقلب الحال إذ صار الخط الايماني هو الذي يغزو ولا يغزى، هذا مع أن بدر الكبرى هي خروج نبوي إلى عير قريش، فهي لم تكن سهماً موجهاً إلى جسم قريش وهو مكة، بل كانت ضرباً للأطراف الذي تمثل يومها في تجارتها.

هذه الصورة قبل الأحزاب كان فيها دعوات نبوية لقريش أن تخلي بينه وبين الناس حتى يبلغ رسالة ربه، يعني أن يواجه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه القوى التابعة لا الطاغوت الكبير، لكن قريش لها شيطان يدرك أن هذا يعني تعريتها واضعاف قوتها، لأن المحيط التابع هو جزء من سلطانها، فكانت حريصة في الأحزاب أن يسير معها القبائل، ولذلك كانت قريش تتولى معالجة هذه المدينة بنفسها، وتأخذ الآخرين ضمن هذا الأمر كأتباع لها في المواجهة، وهذا حديث عسكري بحت، وهو يمنعنا حين الاستغراق فيه من رؤية الجانب الدعوي الذي يوجب على العقلاء والمنصفون أن يهتدوا ويلحقوا بهذا الدين ويدخلوا في دين الله أفواجاً، لكن هذا الجانب الدعوي يضعف حين يصل الأمر إلى صراع وجودي بين قوتين، وقد حدث هذا اذ قد وصل الأمر بين قريش والمدينة النبوية وقيادتها وجنودها إلى حدّ الغاء ونسيان سبب الصراع وهو الدين في نفس قريش، مع بقائه في نفس البعض، لكن الحديث يدور عن طوائف مقاتلة يسير فيها الكثير من الناس ضمن مسافات إنسانية عامة كالقبيلة وغريزة القطيع وغير ذلك.

قريش ككل الطواغيت الكبار لا يسمحون لطائفة الإيمان بالإستفراد في الأطراف والصغار، مع أن هذه الطوائف تفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تتوجه إلى بناء نفسها وهي تقول:- "هل خلّت قريش بيننا وبين الناس" ولذلك وصف الله حال قريش بقوله "وهم بدؤوكم أول مرة"، فيضطر المؤمنين منذ البداية من منازلة الطاغية الأكبر كما فعلوا في بدر، منازلة لأطرافه الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لعدم قدرتهم من مواجهة جسمه الأكبر.

هذا الوعي السنني على قدر الجهاد يرد على الذين يخطؤون طوائف الجهاد وهي تواجه الطواغيت الكبار مع أنها لم تحقق مقاصدها في الأطراف والأتباع الصغار، وهذا له حكمة ربانية مع هروب طوائف الجهاد منها، لكنهم يذهبون إليها مضطرين بإرادتهم، لأن حقيقة الأمر أن الأطراف ستتساقط حين ينهار المركز أو يضعف وهذا الذي وقع بعد فتح مكة، إذ كانت الوفود تأتي بلا قتال وهي تدخل في دين الله أفواجاً.

ونذكر أن هذا الإنجاز لم يكن ليقع لو تم الدخول ابتداءً ضمن خطة الخصم ولعبته، أي ضمن خطوط مساره الطولية أو العرضية كما فعلت في زماننا هذه بعض الدول التي تسمت بالاسلامية (منها ما هو غير سني) وقبلت الدخول في حلف الطواغيت، زاعمة أنها تجري فعلها وإرادتها من ضلاله، وهي نفس صورة الأحزاب التي تتسمى بالاسلامية حين تدخل ضمن لعبة الجاهلية للوصول إلى بعض أهدافها الاصلاحيّة.

كان اختيار رسول الله وأمنيته أن يتفرغ لهذه القبائل، وأن تخلي قريش بينه وبينهم، وكان قدر الله وحكمته أن يلقي قريشاً أولاً في الواجهة لأنها رأس الأمر، وحين تواصل التدافع بين قريش وبين النبي صلى الله عليه وسلم حتى وصل ما يصل إلى التعادل قبلت قريش بهذا الوجود وعقدت معه هذا الصلح، وعلى هذا الاعتبار سماه الله الحكيم العالم فتحاً مبيناً.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٦٤