﴿فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً﴾
إن الذي فعله اليهود في هذه الغزوة أخسّ ما يفعله البشر في حياتهم، فهم الذين عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقضوا العهد دون إيذان، وفي وقت كان النقض فيه يعني فناء المسلمين جميعاً، وهذا مقصدهم، وكان هذا الأمر شديداً على المسلمين، وخاصة على حلفائهم من الأوس، ولذلك فسعد بن معاذ رضي الله عنه لما حكم فيهم ما حكم من الحق كان حكمه حكم الرجل الصادق الذي تؤذيه خيانة الجبناء، إذ أن الكريم إذا عاهد وفى ولو أدى هذا لهلاكه، فهو يرى أن الموت يهون أمام عهد عقده، وهو كان لشرف نفسه وكرمها أن حلفاءه بهذا المقام النفسي الرفيع، ولذلك لما نقض هؤلاء الحلفاء- والحلف كان في الجاهلية- ما عاهدوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم تألم سعد أشد الألم، وأدرك خسة هؤلاء القوم، ولذلك قال ما قال من الحكم، فسيقوا قتلاً إلى الخندق، واستبقى الأطفال والنساء وغنمت الأموال، وكان عدد ما قتل بين الستمئة إلى السبعمئة، كلهم يذهبون أرسالاً ولا يعودون، وآلت الأرض والمال إلى أصحابها الذين هم أهلها وهم المسلمون.
إن هذا هو المشهد الذي يعيشه كل من ترك أمر الله وأعرض عن الجهاد، وهو المشهد الذي عاشه المسلمون في الحروب الصليبية، وهو كذلك المشهد الذي عاشه المسلمون أمام اليهود في زماننا، وهو المشهد الذي يعيشه المسلمون في سوريا الشام أمام النصيريين، وسيتكرر ما دام في الأرض التدافع، يورث الله الأرض لقوم أخذوا بأسباب العزة، ويسلبها من قوم رضوا بالزرع واتبعوا أذناب البقر وتبايعوا بالعينة، فهذه أسباب الذلة، تصيب المسلمين كما تصيب غيرهم لأن سنن الله تعالى لا تحابي أحداً.
كان أهل الإسلام يأخذون الغنائم فصارت بلادهم وأرضهم وأموالهم غنيمة للكافرين، وكانوا يجبون الجزية من أعدائهم فصاروا هم من يدفعها لهم، لأن الله سبحانه وتعالى لا يقبل الدعاوى من أحد، فالمسلمون الذين يتابعون دعوى اليهود بقولهم ((نحن أبناء الله وأحباؤه)) هم كذبة، لأنهم بشر ممن خلق، يجري عليهم ما يجري على البشر، وسنن الله لا تتبدل لأحد من الخلق، وهذا تمام حكمة الله تعالى وعدله في هذه الحياة الدنيا.
إن طريق العزة كلها مسدودة إلا من طريق واحد أن يعود الناس إلى الجهاد في سبيل الله، وأن يفهم المسلمون أنه حياتهم وحياة دينهم، وأنا أقول هذا الكلام مع علمي بجهل الكثيرين لمعنى أن يكون الجهاد حياة، وسبب ذلك أنهم يظنون أن الجهاد يعني قتل رجل ههنا أو ههنا، أو شبيهاً بهذا، وهذا لأنهم لا يفهمون مسيرة إعداد الأمة لتكون أمة مجاهدة، وكذلك أعلم أن بعضهم يظن أن الجهاد وهو آخر مطاف الإعداد، أي لا يكون قتال حتى يتم الإعداد لحصول النّصر الذي يتصورونه، وهؤلاء كسابقيهم هم أهل أحلام.
إن الجهاد في سبيل الله تعالى مشروع أمة كاملة، لكن الوصول إلى هذا لابدّ من عصابة تأخذ هذه المهمة، وهي بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائفة المنصورة، تعمل في الجهاد، وتحييه في الأمة واقعاً وثقافة، فيستجيب الأفراد والجماعات والقبائل، فحين يحصر أحدهم صورة الجهاد الذي تطلبه هذه الطائفة من الأمة في صورة فرد استجاب لأمر الله فطبقه وسعه، ويقصر الصورة في هذا الحدث يكون ظالماً، مع أن هذا الفعل الأحادي الفردي شرعي صحيح، بل هو فعل عقلي واقعي صحيح لأنه ضمن سياق تربية الأمة وإيقاظها لتحمل الجهاد في سبيل الله تعالى.
الجهاد في سبيل الله تعالى عبادة جماعية وفردية، ويحقق نتائجه ضمن هذين السياقين، لأن كل عمل جهادي يحقق مقصداً من المقاصد التي توصل إلى النصر النهائي، فإن بعض الأعمال مع فرديتها تحقق استزاف الخصم وإرهاقه، وكذلك تحقق