تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غاب اليهود عن المشهد كله حتى حضروا في هذه الخاتمة المذلة المهينة لهم، حيث تلقي هذه الآية صفة قوم يقيمون في"صياصيهم"، أي حصونهم، و"صياصي" جمع صيصية، وهي طرف الجبل، وتقال لأصل الشيء، وتقال للشوكة، وهم متعلقون فيها فأنزلهم الله إلى يد الصحابة رضي الله عنهم يفعلون بهم ما يستحقون قتلاً وأسراً.

وحرف "الصاد" عند أهل العلم حرف خصومة، وهو كذلك هنا إذ يشير إلى خصومتهم في هذه الأماكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، فأماكنهم هذه حصون شوكة وقوة ولكنها ملاذ خصومة، وعداء، فكانوا للأحزاب ظهراً يؤيدهم ويعينهم.

لقد نزلوا إلى أيدي الصحابة برعب أدخله الله في قلوبهم، وإن المرء ليعجب من جبن هؤلاء القوم، إذ أنهم نزلوا بإرادتهم إلى القتل، فقد وصلهم بعض إشارة إلى أن القتل مصيرهم كما في قصة أبي لبابة رضي الله عنه، فإنهم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرسله لهم وهو أوسي وهم من حلفائه فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه قام إليه الرجال، وهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم، فقالوا له: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل لحكم محمد؟ قال: نعم وأشار بيده إلى حلقه، إنه الذبح. وبقية قصته معروفة رضي الله عنه في ربطه لنفسه في المسجد وتوبته.

أقول: كان اليهود يعلمون ما هو مصيرهم ومع ذلك ساروا إلى الذبح مختارين، ولكنه العجب حين يقرأ المرء أن هذه سيرة من أعرض عن أمر الله فحق عليه العذاب في الدنيا، فإن أشد من هذا حدث للمسلمين عندما غزاهم التتار، فقد ذكر ابن الأثير أخباراً تكاد تكون من الخيال في مقدار الجبن الذي أصاب المسلمين، وعلى المرء أن لا يذهب بعيداً فإن في واقعنا ما يشهد لهذا العذاب الإلهي؛ وهو حصول الوهن في القلوب، فإن الجبان حين لا يقوى على المواجهة والرد والصد والقتال يذهب يؤمل في عدوه أن يعفو عنه لآخر لحظة، فيعيش على أمل البقاء، وجبنه يصور له أنه إن قاتل فإنه مقتول لا محالة، ولو أيقن بعقيدة الغد لما كان كذلك.

لقد أنزلهم الله سبحانه وتعالى بعد حصار رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقع المفارقة بين صورتين حدثتا في نفس الوقت، إذ أن المدينة ليست حصوناً، ولم يكن حولها إلا الخندق، وحاصرها المشركون شهراً أو يزيد، فلم يهن أهلها ولم يتنازلوا، بل بقوا صابرين حتى جاء النصر وانكسرت إرادة المشركين، وسلط الله الرياح والملائكة عليهم، وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يحاصر بني قريظة خمساً وعشرين ليلة فما يلبث اليهود إلا أن استسلموا، فوقع فيهم ما وقع من حكم الله من فوق سبع سموات على لسان سعد بن معاذ سيد الأوس رضي الله عنه وأرضاه.

إن الإستسلام في هذه المواقف رجاء النجاة مهلكة سببها حب الحياة، والنجاة فيها بعيد المنال، فقد استسلمت بغداد للتتار، فدخلوها بعد الحصار القليل، إذ أشار بعض الزنادقة على الخليفة أن يسلمها لهم رجاء نجاته وأهله، فكان ما كان من القتل الذي سجله ابن الأثير رحمه الله تعالى، وكان من هلكة كتب العلوم حتى صارت بغداد غير ما يعرفها الناس، ودخل تيمور لنك دمشق استسلاماً بإشارة بعض أهل العلم- أعرض عن ذكرهم وهم مشهورون لسوء هذه الإشارة وقبحها- طمعاً في الأمان فقتل جميع من فيها من الرجال، هذا مع الفارق بين إشارة هذين العالمين وبين ما فعله ابن تيمية رحمه الله لما جاء قازان من قبل وقوتل فاستعصت عليه القلعة فرد خائباً.

ولما سلّم افتخار الدولة البرج بعد سقوط القدس رجاء نجاته استبيحت القدس من قبيل صنجيل قائد الصليبيين، حتى قتل فيها زهاء سبعون ألفاً.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٦٠