وهي الأكثر في القرآن، لأن العزيز المالك المتغلب قد تجري أحكامه على وجه غير حكيم، فكان تقييد عزة الله بحكمته هو تمام الحسن، وهي صفة لأسماء الله وصفاته ((ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها))، وقد ورد في آيات في المغفرة ختم بالعزة والتمكين كقوله تعالى في سورة المائدة على لسان عيسى عليه السلام:-)) إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم))، وكذلك في التوبة قوله تعالى ((أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم))، وفي الممتحنة ((واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم))، وهذا كله خلاف ما يجري به القرآن في مثل هذه المواطن من ختمها بغفور رحيم، وتوجيه ذلك:-
- في سورة المائدة كان الحديث عن قوم كذبوا على عيسى عليه السلام وقالوا فيه البهتان والغلو، وسأل الله عيسى بقوله ((أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الناس)) فرد عيسى عليه السلام رده الصادق، وهو رد العبد المخبت العابد الخائف الأمين، ثم جاء قوله بهذه الآية:)) إن تعذبهم ... )) ذلك بأن مغفرة الرب لمن استحق العذاب ليست عن ضعف، إذ أن هذا هو شأن الكثير ممن يغفر لمن يستحق العذاب، فيعفو عنه ضعفاً عن عقوبته فكان هذا التوهم مدفوعاً ههنا بقول عيسى عليه السلام في حق هؤلاء:- إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ((أي مع استحقاقهم)) فإنك أنت العزيز ((أي الذي لا يغلبك أحد)) الحكيم ((في هذه المغفرة حتى لو جهل معناها خلقك)).
- أما في الممتحنة، فإن هذا قول المؤمنين من إبراهيم عليه السلام ومن معه، إذ قالوا لربهم جل في علاه:- "ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا فإنك أنت العزيز الحكيم" إذ أن أصل حديثهم هو سؤالهم لله أن يصرف علو وعذاب هؤلاء الكفرة من أقوامهم عنهم، وهذا معنى قولهم ((لا تجعلنا فتنة للذين كفروا))، وهو الذي استحق هذه الفاصلة بقولهم:- "فإنك أنت العزيز الحكيم"، لا سؤالهم المغفرة، وأما سؤال المغفرة ههنا فهي إتهام لأنفسهم أن لو وقع عليهم الفتنة بالعذاب من قومهم فإن هذا بذنوبهم، فسألوا المغفرة لرفع البلاء والفتنة عنهم لا من العقوبة بسببها، فالسياق كله لهذا الباب وهو باب دفع بلاء الكافرين عنهم، وهذا الباب حقه قوله تعالى ((فإنك أنت العزيز الحكيم)) إذ أن عزتك وحكمتك هي دواعي صرف غلبة وعذاب هؤلاء عنا.
- أما في سورة التوبة:- فإن الآية لا تتحدث عن الذنوب فيقع ما يناسبها من المغفرة والرحمة، إنما قال سبحانه وتعالى ((أولئك سيرحمهم الله)) وذلك بعد أن قال فيهم ((والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك ... )). فلا ذكر لذنب هنا ليغفر إنما ذكِرٌ لوعد الرحمة، وهي أوسع في دلالتها على الوعد لمن يأتي بهذه الأعمال، إذ الرحمة تشمل النصر والإطمئنان والعزة وغير ذلك، ولذلك فهذه الرحمة بعمومها تستحق أن تكون من عزيز غالب حكيم يضع الشيء في محله، لأن ذكر المغفرة والرحمة موهم بالأصل بحصول الذنب ولا ذكر له في الآية.
* هذا ما وجدته وتأملته فعسى أن أكون مصيباً غير قائل على الله تعالى بغير علم.
إضاءة:- سأل رجل ابن عباس عن قوله تعالى ((وكان الله)) فقال ابن عباس:- إن الله كان ولم يزل كذلك، ومعنى كلامه أن وجود وصفه في الماضي لا يقتضي انتهاءه، بل هو كما كان بلا بداية فهو لم يزل كذلك، لأنه الأول والآخر.
﴿وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب، فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً، ... وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطؤوها، وكان الله على كل شيء قديراً﴾