لقد جاء الأعداء لمدن مسلمة ليقضوا على المجاهدين، وكانت هذه المدن عامل ضعف واستنزاف لتمكين يكلف أكثر مما يجني من فوائد في تحقيق الوعد الرباني بالوراثة، فزالت المدن، وبقي المجاهدون وحصلت الإمتحانات والإبتلاءات على وجه ما جرى في أحد، وبعضها على وجه ما جرى في بدر، وبعضها على وجه ما جرى في الأحزاب وبعضها على ما جرى من الهجرة بنجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه، ولكنها في مجملها لمن تمعن خطوة نحو هلكة الأعداء إذ ضرب فيهم الوهن، وخطوة لانتشار المجاهدين إذ فتح الله لهم من أبواب الخير ما لم يكونوا يحتسبوه من قبل، فلم ير المرضى والمنافقون هذا شيئاً، ولم يعلموا أن في الأمر مصلحة للإسلام وأهله.
قد تسقط المدن بحصار، وقد يكون وجودها في ظرف من الظروف عامل إرهاق وتكلفة للوعد الإلهي، وقد حصل أن فتح المسلمون حمص ثم لسبب عسكري بحت تركوها بإرادتهم ليعودوا لها مرة أخرى، وقد تسقط المدن لذنب في المسلمين فيكون سقوطها كالحمى التي أصابت المسلمين في أحد ليخرجوا منها أقوى وأصلب، فقد سقطت مدن المسلمين أمام الحروب الصليبية فكان هذا سبباً في إقامة سوق الجهاد على وجه أعظم مما كان قبلها، فعلى هذا يجب على المسلمين أن كل ما يقع لهم خير لهم إن فهموا وجهه وعالجوا سببه واستفادوا منه، حتى قروح أحد هي خير للمسلمين كما تبين.
أقول هذا حتى لا يظن ظان أن ردّ الله الكافرين والأحزاب عن المدينة هو الخطوة الوحيدة نحو الوراثة الربانية وتحقيق الوعود، ومن تصور هذا فهو لا يعرف التاريخ ولا سيرة الأنبياء.
في هذه الغزوة ردّ الله الذين كفروا على أعقابهم وقد امتلأت قلوبهم غيظاً لما فاتهم من تحقيق مقاصدهم، فلا نصر ولا غلبة ولا غنيمة ولا تدمير للمدينة النبوية، فـ ((لم ينالوا خيراً)) فرحلوا وليس معهم إلا الغيظ وكفى بهذا عذاباً لهم.
﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾
إذا كان يمكن أن يكون قتال ولكن الله تعالى كفاهم إياه، وبقيت الغزوة في صورتها قتال إرادات وعزائم.
﴿وكان الله قوياً عزيزاً﴾
هكذا يتردد اسم الله ثلاث مرات في هذه الآية:- ورد الله الذين كفروا ... ، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قوياً عزيزاً، إذ أنه سبحانه وتعالى هو الذي حورب في هذه المعركة، ومن يغالب الله يغلب، فالله قوي، وما من قوة في الأرض إلا خاضعة له، وقد استكبر الطغاة دوماً وقالوا: "من أشد منا قوة" فيرد الله عليهم:" ألم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة"، وهذا شأنهم دوماً حين ينسون أنفسهم ويصرخون:- ((ما علمت لكم من إله غيري)) لأنهم يملكون بعض ما يعطيهم الله تعالى تزييناً لهم.
لقد مات سليمان عليه السلام الذي سخر له الجن والريح، ومات واقفاً لم يعلم به جنوده من الجن، وذهب الصالحون وغيرهم ولم يبق إلا وجه الله تعالى الذي لا يموت.
فالله سبحانه وتعالى قوي، وقوته مطلقة، وهو سبحانه وتعالى عزيز، وحكمة هذه الفاصلة القرآنية في هذا الموطن أنها في معرض فعله في أعدائه سبحانه وتعالى، لأن العزة من معنين:- الفرادة والندرة فتقول: الذهب عزيز، لندرته وفرادته، ومن غلب وملك فنقول: عزيز مصر أي سيدها وغالبها وملكها، والله سبحانه وتعالى اسمه العزيز جامع لكل معنى حسن من ذلك، لأن اسماءه حسنى جل في علاه، ولذلك فقد جرى حكمه في هؤلاء القوم، وكان ما جرى فيهم لعزته فهو الغالب، ولعزته لأنه لا يشركه في حكمه أحد، وقد وقع هذا لقوته سبحانه يجريها هنا عذاباً لأعدائه، أما إجتماع العزة مع الحكمة،