تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفوراً رحيماً﴾

هنا يفتح الله باب التوبة للمنافقين، فإنه يخوفهم إن بقوا على ما هم عليه من الجبن عند اللقاء والشح في العطاء والريب في الوعود بأن يعذبهم، وأما إن تابوا عن ذلك وأعرضوا عنه وصاروا مؤمنين بوعد الله، عاملين به، يقفون موقف الثبات عند اللقاء والمحن، ويعطون عطاء المؤمنين بلا شح ولا بخل فإن الله يتوب عليهم، وهو أهل لذلك، فإن الله سبحانه تعالى أزلاً وأبداً غفور رحيم.

لقد جرت كل هذه المعاني والحوادث من أجل الجزاء، فيجزي الله الصادقين بصدقهم، منهم صدق الموقف، وصدق العهد والميثاق، ومنه سبحانه وتعالى صدق الوعد ((وصدق الله ورسوله))، والوفاء به.

إن الجزاء هو مقصد الخلق كله، هناك حيث الآخرة فالله يقول في سبأ ((وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلا وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين، ليجزي الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم، والذين سعو في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم)).

قال تعالى: ((أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون، فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم))

من غير ذكر الجزاء وذكرى الإحتساب فإنما الأمر باطل في باطل، وحين يكون الإحتساب والجزاء يقول صلى الله عليه وسلم: "لئن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس".

﴿وردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً﴾

كان بداية خبر الأحزاب قوله تعالى ((واذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها، وكان الله بما تعملون بصيراً))، ومضى ذكر ما بعد مطلع هذا الخبر ذكر المنافقين والمؤمنين، ثم جاءت خواتم الخبر وتفصيل العاقبة ابتداءً من هذه الآية الكريمة، فالخبر كله محاط بهذه الحقيقة التي وردت في المطلع ووردت ههنا، ليكون ما بينهما وصف الداخل، ويكون الوعد الإلهي والمنح الإلهية هي المبدأ وهي الخاتمة.

لقد جاءت جنود الكفر فردهم الله بالريح والجنود الغيبية من الملائكة وما معهم من الرعب والتخذيل والأوامر، إذ أن هذا الأسلوب القرآني الذي يفتح الأقواس ليفسر العارض ويشرحه ويبين ما فيه ثم يعود بعد ذلك إلى السياق الأول ليبقى التواصل وحضور قلب القارئ والسامع لكتاب الله تعالى.

لقد ردّ الله الكافرين بالريح والجنود، فغلبت إرادتهم وقهروا قهر المغلوب الذي يرى مراده بين يديه ثم يحال بينه وبين التقاطه، وإن وقوع هذا الرد للأحزاب هو نصر رباني عظيم يلائم الحال، إذ فيه إبطال لمراد المشركين من هذه الغزوة وحفظ بقاء جماعة المؤمنين وقائدهم ومدينتهم.

لقد انتصروا هم حين ثبتوا وصبروا، وحين زاد إيمانهم بالله وتسليمهم له، وحين التفوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأسوا بمواقفه وشجاعته ويقينه وعطائه، ولقد نصرهم الله بهذا النصر الذي تحقق على أيديهم بأن صرف عنهم الأعداء.

لقد وعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يحفرون الخندق بفتح فارس والروم فهل فتحت فارس والروم بغزوة الأحزاب؟ الجواب: نعم، لأنه هذه سنة تحقيق الوعود، ذلك بأن كل خطوة يحصل فيها النصر هي إقتراب نحو الوعد، وبذلك يتحقق الوعد، وقطعاً سيسأل المنافقون بعد ذلك:- أين نحن من فارس والروم كما سألوا ذلك من قبل.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٥٧