المدني الشركي لا يرون للمسلم أن يخرج من حدود بلده الذي أقرته الأمم المتحدة ليجاهد بلداً مسلماً غزاه الكفر الأصلي مخافة منهم أن يفقه دين الله ويكتشف الجهل الذي يحياه فقهاء بلده، وهؤلاء فقهاء الأمم المتحدة وقانون الفقه المدني الشركي لا يرون جهاد المرتدين لأن هذا يسمى في فقههم بالحرب الأهلية، وفعله تهديد للسلم الأمني، ولذلك فدم المواطن محرم على دم المواطن، وقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي جندل عن دماء المشركين:- "إنما دم أحدهم دم كلب" هو فقه المخربين والإرهابيين والطائفة الضالة والمفسدين في الأرض.
إن مشكلة هؤلاء الفقهاء مشكلة جهل بالكتاب الكريم وجهل بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهل بحقيقة هذا الدين وجهل بالواقع وسنن النفس والإنسان، بل لقد مسخت قيم العرب فيهم فلم تعد تعرف من أين تبدأ بهم، وكيف تسير معهم في الحوار، لأن الأمر ليس من العقل في شيء ولكنه خراب النفوس بالجبن والشح، وحين وقوع هذين المرضين في أحد إلى درجة التشبع لا تنفع معه كل حقائق الوجود، فقد جاءهم الخوف فصاروا كالمغشي عليه من الموت لا يسمع ولا يفقه ولا يهتدي.
لقد ابتلي بعضهم ابتلاءً ازداد فيه بصيرة بعدوه، إذ كان يظن أن حكامه مخطؤون، فرأى كفرهم وردتهم ومقدار عدائهم لدين واستهزائهم به، فبدل أن يورثه هذا العلم قوة في الحق، وتقدماً في خطوات المواجهة بما يوجب الشرع ذهب يقول الباطل، وما زاد إلا أن بكى ألم ما صنع فيه هؤلاء الطواغيت من تعذيب بدني وإهانة لدينه، فهل نفعتهم الآيات؟! وهل قوّمت نفوسهم البصائر؟! لم يقع شيء من هذا لأن المشكلة مشكلة نفسية تتعلق بثمن هذا الطريق وواجباته.
﴿ليجزي الله الصادقين بصدقهم﴾
إذا كانت هذه قسمة المؤمنين الصادقين، شهيد ومنتظر في الغرز والإعداد والإنتظار، فأي جزاء ينتظرونه إذاً في هذه الدنيا؟ إنه جزاء الشهادة على الخلق، وتعذيب الكافرين والدفع عن المؤمنين المستضعفين الذين يقولون في بلاد ترك أهلها موقف الإيمان والصدق والجهاد ((ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً))، فهم من هيعة إلى هيعة، يؤدبون الطواغيت الذين يتجبرون في الأرض، فيمرغون كبرياءهم في التراب ليعلم أهل الإسلام خاصة وأهل الأرض عامة أن فرعون كل زمان إلى زوال، وأن الفئة المؤمنة القليلة تغلب الفئة الكثيرة الكافرة بالإيمان، وأن المسلمين وحدهم من يملك الثقة بالله ووعوده بأن الشرك سبب خراب العالم، وأن معصية الله هي سبب دمار العالم، فهم شهداء الله على الخلق، وهم جند الله الذين يوقعون إرادتهم في الخلق، فهم العلماء الذين يوقعون إرداته العلمية وهم المجاهدين الذين يوقعون إرداته الكونية والشرعية.
هذا هو جزاء الصادقين في الدنيا، وهو مقام الأنبياء، ذلك لأنهم بحق وراث الأنبياء وأتباعهم.
وجزاؤهم في الدنيا أن ينصرهم على عدوهم، غير أن بدراً تتجدد فيهم ومعهم، فيكونون أعزة مع ضعفهم وقلتهم، ويرون دين الله يسري في النفوس بسببهم، فهم أئمة الهدى ومصابيح الدجى.
وجزاؤهم في الدنيا أن تغمر قلوبهم حلاوة الإيمان وأنواره فيحسون لذة تهون أمامهم كل لذائذ الأرض، فيحسدهم عليها الملوك وأبناء الملوك، ويقولن كما قال أسلافهم:- إن قلوبنا تغشاها حلاوة لو كانت هي لذة أهل الجنة لكانت كافية.
نعم هي جزاء لا يعرف قيمتها سفلة البشر ولا البهائم في أثواب الشر، إنما يعرفها أصحاب المعاني وذائقو لذتها.
أما جزاؤهم في الآخرة، فهناك حيث لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ويناديهم ربهم:- اليوم أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً.