تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عمر رضي الله عنه مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر يا أبا جندل، فإنما هم مشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، قال:- ويدني قائم السيف منه، يقول عمر:- رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضن الرجل بأبيه، ونفدت القضية.

ومن عجائب صلح الحديبية أنه لم يقع تحت الضغط على المسلمين، ولم يكونوا في موقف ضعف ليكون هذا الفعل استجابة المكره، وهذا يدل على أن أمر الحديبية أمر خاص، وهو كذلك ويشهد لذلك سورة الفتح، فإن الله سماه فتحاً.

﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً، ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفوراً رحيماً﴾

هذه صورة الإيمان بالوفاء مع عهد الله بالصبر والثبات عند اللقاء، وهي صورة تقابل موقف المنافقين الذين قال الله فيهم من قبل ((ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولاً))، فإن هؤلاء المؤمنين لما قالوا ما قالوا من كلمات الإيمان والإستبشار بقدوم الأحزاب فإنهم صدقوا عهدهم مع الله فلم يتنهنهوا ولم يضعفوا ولم يهربوا في الأرض طلباً للأمن والسلامة بل ثبتوا حتى كان منهم ما كان، فمنهم من قتل في سبيل الله ومضى إلى رضوانه ومنهم من ينتظر الشهادة أو اليقين دون أن يغيروا ويبدلوا ما عاهدوا الله عليه.

إن من هؤلاء من فاتته موقعة سابقة فآلى على نفسه إن حضر غيرها أن يبلي البلاء الحسن وكان منهم من قتل في أحد كأنس بن النضر رضي الله عنه، وعلى سنن هذا يجري تاريخ الإيمان في كل وقت إذ يعاهد المؤمنون ربهم وينذروا النذر فينقسمون قسمين، قسم يوفي بنذره فيفضي إلى ربه، وقسم ينتظر أن يفي بنذره وعهده ليلحق بسابقه، ويقيم على ما بايع عليه حتى يقضيه.

هذه قسمة المؤمنين مع هذا الدين؛ قاض للنذر والعهد ذاهب لربه، ومقيم على العهد حتى يؤديه فيلحق بربه، لا يبدلون عهدهم، ولا يقيلون أنفسهم من نذورهم وعهودهم وبيعاتهم، فلا طول الطريق يوهنهم، ولا صعوبة ما فيه من غمرات تعيقهم، بل هم يرقبون عين الله تعالى لأنهم أهل الإحسان.

لكن هؤلاء الذين ينتظرون لهم صفة قيمة وهي- وما بدلوا تبديلاً- وهذا حال وليس فعال، وقد وصف الله هذا الحال بقوله تعالى في سورة براءة ((ولو أرداوا الخروج لأعدوا له عدة)) فإن الزاعمين أنهم ينتظرون لابدّ لهم من إعطاء موقف الصدق على هذا الزعم والإدعاء وإلا كانوا كاذبين فحين تأتي الواقعة يصدق فيهم بقية الآية:- ((ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين)).

إن هذه القسمة الربانية لأهل الإيمان لا تصدق واقعاً إلا على المجاهدين في كل زمان، فهم أهلها والأحق بها دون غيرهم، وهي تؤكد حقيقة المجتمع الذي بناه الإسلام وأرسى قواعده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو مجتمع البيعة والعهد كما ظهر في بيعة العقبة الثانية، لأن هذا العهد هو السيرة التي ستجري فيه، ولذلك فالحالمون أن مجتمع القرآن، ومجتمع الإسلام يمكن أن يبنى على غير هذا العهد، وأن يستقر أمره على غير هذه السيرة هم واهمون ولذلك فلا عجب أن يُجمع الفقهاء- فقهاء الإسلام لا فقهاء الأمم المتحدة، وفقهاء دولة الإسلام لا دولة الجاهلية، وفقهاء الكتاب والسنة لا فقهاء القانون المدني الشركي- أقول: لا عجب أن يجمع الفقهاء على وجوب الجهاد في كل عام على إمام المسلمين، ولو ترك الإمام الجهاد لوجب عزله، هذا يقال في جهاد الطلب لا جهاد الدفع عنهم، لكن فقهاء الأمم المتحدة ودولة الجاهلية وقانون الفقه

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٥٥