إذ أنها تكشف ضدّها البعيد العميق في واقع هؤلاء المؤمنين أمام الأحزاب، إنه واقع الرفض والدفع والمعاندة، وإنه واقع القتال والثبات والمباعدة، وهم في هذا قد ازداد تسليمهم لربهم يفعل بهم ما يريد من تقليب لأقدارهم وهم في رضى عنه سبحانه وتعالى، فلا يعترضون على هذه الأقدار، ولا يسبونها ولا يتساءلون لم؟ بل قبلوها وعاملوها بما تستحق، فكانوا في حالة تسليم لله تعالى، يفعل بهم ما يشاء لأنهم عبيده، والعبد لا هوى له مع أمر سيده وتدبيره، ذلك لأن كلمة العبد مأخوذة من قولهم" عبّد الطريق" أي سهلها للمشي، فهؤلاء قد ذهب ما في قلوبهم من جهل وهوى، ولذلك تجري عليهم أوامر الله تعالى وأقداره بسهولة ويسر، بل يأخذون كل هذا بالسمع والطاعة والقبول.
إن هذا العطاء الرباني: زيادة الإيمان وزيادة التسليم له يعني أن ينجز الله لهم الوعود، ويعني أنهم قد انتصروا، ذلك لأن هذا أغلى ما في الوجود، وهو طلبهم وهمهم، فلن يكدون ويتعبون، ولذلك فقد تمت الصفقة، فحين سلموا القيادة له سبحانه وتعالى، وبرؤوا من حولهم وقوتهم، وفرغوا من أي آمال في الأرض، وذهبت عنهم كل معوناتها فلم يبق إلا الغني الحميد، حينها فقط يكون الدعاء حقيقياً، ويكون السؤال صادقاً، وحينها فقط يأتي المدد الإلهي ((إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم)).
لقد كانوا مؤمنين ومسلّمين له سبحانه وتعالى فقالوا تلك الكلمات العالمة الشجاعة الرائعة فحصل لهم زيادة الإيمان والتسليم كما قال تعالى ((والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم)).
إنك حين ترى قوماً قد غيروا الطريق إذا جاءتهم المحن، فبدلوا وقالوا شراً فاعلم أنهم لم يروا المحن منحاً، وأنهم جهلة حتى لو كان أحدهم يلبس جبة كالخرج أو عمامة كالبرج، وأن هذا الضعف الذي أصابهم إنما هو بسبب جهلهم بفقه القرآن وفقه الحياة وفقه الجهاد وفقه المحن، ومن جهل هذه الأمور فخير له أن لا يتكلم كلمة واحدة عن هذا الطريق، فإن هذا الطريق لا يصلح لليائسين ولا للجبناء ولا للبخلاء ولا للزافرين زفرات الإنقلاب عند كل موجة تواجههم وعند كل صعاب تعترض طريقهم، بل هو طريق الفقهاء الذين يوقنون أنه كلما طال فقد اقترب الفرج، وأنّه كلما قل الناصر فقد تحققت الغربة الممدوحة، وأنه كلما سقط الشهداء فقدتم القبول، وأنه إذا جاءت المحن واشتدت فقط اقترب النّصر، هذا هو الفقه القرآني الواجب تعلمه لمن يريد أن يبدأ ويعرض نفسه هادياً للمسلمين إلى طريق الخلاص والعزة وتحقيق الوعود.
لقد كان العرب عقلاء- مشركون ومسلمون- وهم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يسألهم الإسلام والحماية والإيواء لأنهم يعلمون معنى هذا الدين وحقيقته وما هي بيئته فيقولون: أرأيت إن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قالها بنو عامر بن صعصعة فلما أجابهم:- الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء، فقالوا: أنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك.
وقال الأنصاري أو الهيثم بن التيهان يوم العقبة الثانية: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال جبالاً وإنا قاطعوها- أي اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم.
وأما العباس بن عبادة فيقول: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلاً أسلمتموه فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله