المحيطة، وهي لهم خاصة لأنهم من يعانيها ويحياها، هذا مع علمهم أنهم حلقة من حلقات رجال الوعد الإلهي بالنصر والتمكين، فإنه وإن لم يقع لهم، فهم يوطؤون له، ويهيؤون له حتى يأتي وعد الله، وكفاهم بهذا منزلة عند الله تعالى.
ثم إن النصر هو الإقامة على الحق، والإقامة على طريق الشهادة والنصر، والبقاء ثابتاً تؤذي بثباتك الأعداء وتغيظ قلوبهم، لأنك تستعلي على شهواتهم وآلهتهم وبطشهم وإغرائهم.
إن المنافقين يجهلون معنى النصر الإلهي، ويجهلون سنته ولذلك فلا عجب أن يكون واقعهم وأعمالهم لا وجود لأثر الوعد الإلهي فيه، ولماذا يرقبون الوعد وهم محاطون برعاية الجاهلية، ومنعمون في كنفها، والمرء لا يرقب الوعد إلا وهو في البأساء والضراء والزلزال ينادي: متى نصر الله؟.
لقد جاءت الأحزاب وأحاطت بالمدينة، وخان يهود بني قريظة العهد واشتد البلاء، وخلال هذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدهم؛ ففي حفر الخندق يبشرهم بفتح فارس والروم وانفاق أموالهما في سبيل الله، ولما جاء خبر بني قريظة ونقضهم للعهد كبّر واستبشر، فكانت هذه الوعود بلسم جراح، وقطرات ندى تعين هؤلاء الرازخين تحت البلاء، ولذلك فإن قراءة الوعود الإلهية من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرورة مهمة في هذا الطريق، ومن أعاجيب هذه الوعود أنها لم تقع في التاريخ إلا بالجهاد، وهناك وعود آتية كلها فيها خبر الخيول والسيوف والجهاد، فهل يفقه المسلمون هذا ويقبلوا على هذه الوعود بطريقها الصحيح أم أنهم سيبقون في بحث دائم عن تحصيل هذه الوعود بطريق لا جهاد فيه ولا محن ولا شهادة!!
﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب﴾
إن المؤمنين لم يروهم" خوفاً" كما رآهم المنافقون، بل رأوهم جنوداً وأحزاباً، فلم ينهاروا أمامهم ولم يتنازلوا عن قيم العزة والشجاعة الكامنة فيهم، فلما أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأوس والخزرج أن يعطوا غطفان بعض ثمار المدينة حتى يرجعوا عن الحصار والإنضمام لقريش، رفض الأنصار ذلك، وتفجرت قيم الإنسان العربي في أنفته وعزته وشجاعته، وهي قيم جاء الإسلام فمكنها وأمدها بمدد أقوى، ورفع وجهتها إلى حيث الدار الآخرة، ولذلك كانوا على استعداد أن يموتوا جميعاً ولا تؤخذ منهم حبة ثمر واحدة على سبيل الذلة والقهر، فهذه قيم العربي وهي وعاء الإسلام الذي يحفظ من خلالها كتاب الله تعالى واقعاً عملياً، لا قيم المهانة والذلة والخسة حين يقبل أحدهم أن يبذل عرضه وماء وجهه من أجل أن يحيا حياة الذل والصغار والتبعية:-
هذي المكارم لا قعبان من لبن ... شيباً فعادا بعد أبوالا
الشجاعة والأنفة في الحق والجود هي أدوات الوعود الإلهية، أما الذين يتقنون تولية الدبر وطأطأة الجبان والتمسح على العتبات النجسة فهؤلاء لا يستحقون الوعود، بل يعيش أحدهم ذليلاً ويمضي إلى قبره ذليلاً حتى لو رأيته على فرش الحرير وبسط له البساط الأحمر، فإن الطاغوت يعلم أن لهم أثماناً من الدرهم والدينار.
﴿وما زادهم إلا إيماناً وتسلسيماً﴾
لقد قالوا مقالة الإيمان فاستحقوا زيادة الإيمان، ولقد سلموا أمرهم لله فكافأهم الله بأن زادهم قرباً منه، لأنه سبحانه وتعالى أجرى لهم هذا القدر ((الوعد)) حتى تكون لهم فرصة زيادة الإيمان والتسليم، فإن هذا هو شأن الحوادث والرضات للمؤمنين، إذ تشكل له فرحة إيمانية ليثبت صدقه مع الله فيرقى إيمانه وتسليمه لله، فيوم الأحزاب يوم من أيام الله، شأنه شأن السحر يغتنمها المرء ليزداد قربه لربه، ويزداد قربه من الفردوس. وإن هذه الكلمة الرائعة هنا- تسليماً- لتقع موقع العجب،