ويقفون في شك وريب، وهكذا يجهلون معنى الألم في الحياة، وأن بين الألم والمنح الإلهية تلازم لا ينفك، وأما المؤمنون فقد أدركوا قوله تعالى ((أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب))، فهم علموا أن النصر ينبثق من البأساء والضراء والزلازل، وأن هذه سنة جارية في الأنبياء وأتباعهم لا تتخلف قط، وها قد جاءهم ((الزلزال)) والأحزاب، فحين جاءهم هذا علموا أن النصر قريب، ولذلك سموا هذه الأحزاب وعداً لما أيقنوا من كلام الله تعالى ما وراءها.
هذا الوعي والعلم والفهم على حقيقة هذا الدين هو الإيمان الذي يحقق النصر، ومن دون ذلك فإن النصر لا يكون حتى لو أتى العابدون بأعمال الإيمان الأخرى، ذلك بأن كل وعد إلهي له سنة خاصة يسلكها العابدون علماً وعملاً، وهو وعيهم على حكمة الأقدار، إذ يفقهون معنى القتل في سبيل الله وأنه شهادة، ويفقهون معنى الخروج من الديار أنه هجرة، ويفقهون معنى الآلام والصعاب والبأساء والضراء وزلازل الحوادث أنها مقدمات نصر.
لقد ارتدت العرب جميعاً بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا المدينة ومكة والطائف وجواتى في البحرين، ووقع البلاء والزلزال حتى إن الناس خافوا من أن تجرّ الكلاب بأرجل نساء النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقدر أحدهم على دفعهم، بل لو طرق المدينة يومها طارق لنا كان فيها من الرجال ما يمنعهم، لذهاب كل القادرين على الجهاد إلى بعوثهم، فهل رأى أبو بكر الصديق في ذلك غير ما قاله هنا وأمثاله من المؤمنين ((هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً)).
إن الزلزال الحقيقي الذي يقع فلا يرى له الناس وجهاً لزواله، ولا قدرة التنفس أمامه، وهو يحيط بهم من كل الجوانب، ويضغط عليهم ضغطاً يصرخون فيه: متى نصر الله، فهؤلاء المؤمنون لما قالوا ما قالوا من كلمات الإيمان هذه لم يكونوا في سعة من الأمر، ولا في بحبوحة من الحياة، بل وقعوا حقاً وصدقاً في بأس وضر وزلزال، وما كان الواحد منهم يقدر أن يخرج لحاجته، ولا يدرون من ينجو ومن ذهب شهيداً، فالوعد لا يعني أبداً أن لا يقع الموت وأن لا يقع الجوع الشديد المهلك ولا البرد الذي لا طاقة لهم بدفعه، لأن هذا الوعد بالنصر هو للفئة الباقية وقد يطول الأمر ويقع التوارث في الطريق، وأما الوعد للراحلين فهي الجنان.
إن الوعد لا يعني ضماناً لك أنت بشخصك، فقد تموت جوعاً أو قتلاً أو سجناً، وقد تفقد الحبيب تلو الحبيب، ولا ضماناً لجيل يبدأ الطريق ثم تتم حلقة المحن بهم، لكن الوعد الإلهي هو لأهل الإسلام الذين يثبتون على هذا الطريق ويرثونه ويورثونه لغيرهم، وكلهم يتساءل: متى نصر الله؟! ونصر الله حقاً وصدقاً قريب، فإن أمة الإسلام جاهدت الصليبيين مئة عام ثم كان النصر وكان قريباً، وعندما ذهب الصليبيون كأنهم لم يكونوا يوماً هنا بل بقي الإسلام وأهله، وأما الزبد فذهب جفاءً.
سيأتي خلال هذه المحن رجّات وصعاب تضاد هذه الوعود وتزلزلها في قلوب أهلها حتى ليوشك أن يدخل البأس في قلوبهم، لطول هذه الرجات والزلازل، ولتعاقبها وتكاثرها كما قال تعالى ((حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا))، وسيقول المنافقون:- لقد سبقكم من قبلكم وهم يؤمنون بهذه الوعود فماتوا ولم تحصل لهم، بل قد مر جيل وجيلان وهم ينظرون إلى السماء يرقبون النصر الموعود ولم يأتهم، فلماذا يأتيكم أنتم؟ ثم يقولون إن واقع زماننا لا يدل على أنّه وقت هذه الوعود، فاتركوا هذا الطريق لوقت الوعود، والمنافقون في هذا كذبة فجرة جهلة، لأن كل جيل أقام على هذا الطريق الحق في الجهاد في سبيل الله تعالى كانوا يرون انتصارات ربانية، ويعايشون وعوداً تنبثق من الظلمات