تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في كل أسبوع مرة لا يشغله عن ذلك أمر من أمور الحياة، بل هو يضبط شؤونه الخاصة من خلال هذه الأعمال التي تحقق له دوام الصلة مع الله ودوام مراقبته.

إن مهمة المجاهدين والغرباء صبغة شاقة لا يقوم لها على وجهها الصحيح وهي أنها عبادة لله تعالى إلا بأن يراعي المرء حالة قلبه مع الله تعالى، وهذا الأمر ليس تتمة للصورة، بل العبودية لله تعالى هي حقيقة الصورة التي يجب أن يفهمها المرء ليكون مسلماً صادقاً، فالله تعالى وعد أولياءه بقوله ((ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون))، والناس لا يتركون طريق الولاية وعبودية رب العالمين إلا بسبب هذين المرضين: الخوف ممن له جبروت وسطوة وقوة، والحزن من فوات النعيم، وبالإستجابة للخوف والحزن يذهب الناس عن طريق الله تعالى وعن طريق الرسول صلى الله عليه وسلم، وبذكر الله تعالى يحصل اطمئنان القلوب المذهب لهذين المرضين، والله يقول: ألا بذكر الله تطمئن القلوب.

إن دوام ذكر الله تعالى ليس نافلة للمجاهد، وليس نافلة للداعي، وليس نافلة للغرباء إلا إذا قلنا إن الوقود نافلة القلوب، فبالغفلة يغلب الشيطان على القلوب ويسيطر عليها، وإن ظننت أن يأتي خير عام لأمة الإسلام ممن لا يقوم إلا بالفرائض فاعلم أنك واهم، لأن هذا ليس سيرة التاريخ ولا سيرة الرجال فيه، ولا يقولن قائل: كيف توجب على الناس ما لا يوجبه الشرع؟ فيقال: إن الحديث عنا عن هداة مهديين، وقادة وحملة رسالة فكيف لمثل هؤلاء أن لا يكونوا قوّام ليل؟! وكيف لهم أن لا يلتصقوا بالقرآن وقد وصف رسول الله المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كالثمرة طعمها حلو ولا ريح لها؟ فماذا سيعطي للناس من لا ريح طيبة فيه بقول يقوله لهم، وبفعل يقودهم به؟! وكيف لمثل هؤلاء أن يكونوا موتى لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:- مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت؟!

لينظر الناس إلى سمت من يقتدون به، وليراقبوا خصوصيته مع الله تعالى ليعلموا هل هو على هدي أم أنه مجرد ثائر تراب لا روح فيه، ولا يغرنك قول البعض:- أنني مشغول بأمور العامة عن هذه النوافل، فهل هو أكثر شغلاً بأمورهم من أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم؟ فاقرأ صفات هؤلاء القوم وذكرهم لله وقراءتهم للقرآن وقيامهم لليل تعلم تهافت حجج هؤلاء.

إن المجاهدين والغرباء في صراع مع نفوسهم حتى تبقى صورتهم صورة عباد لله تعالى، لهم سمت الصالحين والذاكرين، وسمت الأولياء الذين لهم تعلق بالله وطاعته والقرب منهم، تخشع قلوبهم لذكر الله وتوجل، وتقشعر جلودهم إذا سمعوا آياته، يحنّون إلى الليل لمناجاة ربهم كما تحن الطيور لأوكارها، لهم ساعات بينهم وبين ربهم يلقون فيها سؤالاتهم وأحمالهم، ويستغفرونه لضعفهم وذنوبهم وجهلهم، يخرون بين يديه وهم يبكون، فلا يعرفون النوم في السَّحر، ولا الجلوس في مجالس اللغو، ولا ترك صحبة القرآن الكريم، إذا رآهم الناس ذكروا الله تعالى، لأنها هذه صفة أولياء الله.

لا يسبقن المجاهدين والغرباء أحد في هذا الباب ولا في أي باب من أبواب الخير، ولكن ليكن هؤلاء هم أئمة الطريق في هذا الأمر لأنهم أهله وأحق به، وهم يحتاجونه في جهادهم كما قال تعالى ((يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون)) وهو القائل سبحانه ((واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين))، وكفى بهذه المرتبة مقاماً أن قال الله العظيم العزيز ((فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون)).

﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً﴾

غزوة الاحزاب محنة الوعد الإلهي في قلوب الناس، فالمنافقون لا يرون إلا الرعود والبروق، وتقف مداركهم الجاهلة عن إدراك حقيقة هذا الدين وبيئته التي يعمل فيها، فما أن تقع محنة لأهله حتى تعمى عقولهم عن رؤية ما وراء ذلك من الحكم،

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٥٠