واقع الصورتين واضح جلي، فإن كل ناظر متأمل يرى أن الذين يختارون طرق البدعة ويتنكبون طريق الجهاد في سبيل الله تعالى هم أعداء السنن، وأبعد الناس عن العمل بها، وأقل الناس حظاً في علومها، فلو راقبت صلاة أحدهم لرأيت العجب في جهله بالسنن، ولو ذاكرته في الحديث النبوي لما وجدته عالماً فيه، بل لا يقترب من المبتدئ في طلب العلم، ومع كل هذا فإنهم يسمون المجاهدين بالجهل، ووالله لا ندري ما العلم الذي عندهم، فهل عندهم علم الكتاب، وهل عندهم علم اختلاف العلماء، وهذه هي أسس العلم وقواعده، أما لو سألتهم عن أصول الفقه لما وجدت عنده إلا تعريفات لمصطلحاته، وهذا شأن كبرائهم ومقدميهم، أما من وراءهم فحدث عن بحر الجهل ولا تخاف.
ومن وراء هؤلاء يتستر قوم بقولهم أن ما يلزم أهل الإسلام المعاصرين فقه آخر غير الفقه التقليدي!! فإن باحثت ما يعني رأيت بذور الزندقة مغروسة فيه وهو لا يدري، إذ يظن أن قراءة مقالات العلمانيين ومباحثهم ودراستهم هو ما يعنيه، فلا عجيب بعد ذلك أن يهرف أحدهم بأقوال- هي الفتوى لو أدرك- تخالف ما أجمع عليه الإسلام، ويسمّي الفقهاء!! بالمتكلسين والمتحجرين، ولذلك فلا عجب أن صارت قواعد الناس المشركين اليوم في تصنيف الناس هي عين قواعدهم، وأن قواعد التعامل البشري في العالم هي ما يؤمنون به، بل تجد أحدهم يستخدم ألفاظ الجاهلية بمعانيها هي، وبآيات لا يدري ما قال الصحابة رضي الله عنهم فيها يحتج لكل هذا الضلال.
هذه نفسية وواقع أعداء المجاهدين اليوم، وهذا فقههم، وهذه طريقتهم في رد الفقه الشرعي الذي يدل عليه الكتاب والسنة وإجماع العلم، وهؤلاء هم من أعطى لنفسه الحق أن يصف المجاهدين بالشباب المتحمسين، وبالجهلة الأغرار، يساعدهم في هذه مؤسسات تساندهم، ووسائل إعلام مفتوحة لهم، وأتباع يعيشون موظفين في هذه المؤسسات، مع دخولهم في سبيل المجرمين مرات عديدة حين يستخدمهم الكفر لضرب المجاهدين وتنفير الناس منهم، بل لا يستحي أحدهم من الله وهو يقول:- إننا وحدنا من يصلح للوقوف أمام المجاهدين، وقد صدقوا فإن الله منع هلاك هذه الأمة بيد أعدائها، لكن لم يمنع أن يسلط بعضها على بعض، فتكون المصيبة من داخلهم.
﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾
ضعوا الأمة في طريق الجهاد، وأقيموا في نفوسها حب الشهادة، واطلبوا منهم أرواحهم وأموالهم فحينها تجدون المستجيبين لكم هم أقرب الناس لهذا الرسول صلى الله عليه وسلم، لأنكم حينئذ تعلمونهم أنكم قادة العالم وأسياد الوجود ووراث الأرض، ومن كانت نفسيته كذلك فإنه أبعد الناس أن ينهار أمام الآخر ليتخذه أسوة وقدوة له.
إن النفوس البشرية مجبولة على العبودية، ولذلك من لم يعبد الله سيعبد سواه شاء أم أبى، وإن النفوس مجبولة كذلك على الإقتداء بالمثال، فهو يسعى جاهداً ليكون شبيهاً به، حتى في سكناته وحركاته، وفي طعامه وشرابه، وهو شغوف بتتبع أخباره وسيرته، ومن رحمة الله تعالى بهذه الأمة أن جعل أسوتها ومثالها في ذلك هو سيد الخلق لأن هذه الأمة هي خير الأمم، وكلما ابتعدت الأمة عن هذه الأسوة فإنها تبتعد عن الخيرية، وكلما اقتربت منه كلما اقتربت من الخيرية، ولذلك لا تجد أحداً- رجلاً أو امرأة- يبحث عن فتوى تحلله من الإقتداء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقد شغل بأسوة أخرى أحبها ورغب بصورتها، فالمتحللون من السنن هم مقلدون للشياطين- شاؤوا أم أبوا- لأن الصراع في حقيقته صراع بين الإنسان في صورته العابدة لله تعالى في خير مقاماتها، وبين صورة أعداء هذه العبودية وامامهم هو الشيطان، وإني لأعجب من هذه النفوس الصغيرة التي تعرض عن مثال الإنسان في أكمل مراتبه ومقاماته لينزل في دركات التشبه بالشيطان والحيوان.