لأن حصار المدن يعني الوجود أو الفناء، فالجهاد ليس مناظرة علمية يتدارك الناس فيها أخطاءهم، بل الجهاد عند محنة أهله وحصارهم كما وقع في الأحزاب يعني ملحمة قاسية قاهرة.
أقول مع هذا العلم التفصيلي الذي يعلمنا إياه كتاب ربنا فإن المرء يحتاج إلى شجاعة الإنزال، أي أن ينزل هذه الأحكام على واقعه، برجاله وأحزابه وقواه، وهذه شجاعة واجبة كذلك، لأن آيات القرآن ليست خبراً لما مضى لكنها أمر وعظة لما سيأتي، وكما أن الناس ينازعون المجاهدين في طريقهم فسينازعونهم كذلك في مراياهم التي يجملونها آيات من كتاب الله لتعينهم في لزومهم لغزو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
إن هذا الأمر يحقق مقالة والد شاه ولي الله الدهلوي له: "يا بنيّ اقرأ القرآن وكأنه ينزل عليك"، وبهذا يكون القرآن حياً، وتدوم مسيرة الطريق لما يرى المجاهدون آيات الله تنزل عليهم وعلى واقعهم.
لقد كان عدد آيات موقعة الأحزاب في سورة الأحزاب تسعة عشر آية، كان الحديث فيها عن المنافقين في تسع آيات متوالية، وفي هذا كناية ليعلم الناس خبث هؤلاء القوم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل زمن.
﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً﴾
بعض هذه المسيرة الكاشفة للمنافقين، حيث الواقع الجبان الخسيس الذليل، والبخل الحريص الخبيث، والنفوس المتهاوية أمام أعدائها، والهروب ضرباً في تيه الصحراء، والأقوال المشككة بقوة السلاح الذي يحمله المجاهدون وهو الوعد الإلهي، ونقض العهود التي أوثقوها مع الله، فبعد كل هذا يأتي النور القرآني ليصف النور الإيماني الذي تتحقق به الوعود وتتنزل عليه الإنتصارات، ويرفع شامخاً منارة يهتدي بها السائرون إلى جنان الرحمن، ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)).
هذا الرسول الكريم الشجاع شجاعة تتقاصر دونها شجاعات الرجال، وهذا الجواد الذي بهر الكرماء بكرمه وعطاياه، وهذا الواثق بربه وبنصره، وهذا الثابت مع المؤمنين في بيوتهم ومنازلهم ومقاماتهم هو أسوتكم، ومثالكم وأمامكم، فالزموا غرزه في هذه المقامات.
إن الأسوة الحق لا تكون في ما ترغب النفس البشرية وتشتهيه، وإنما تظهر الأسوة تحت ضغط الإبتلاءات والغمرات، ولذلك هي محنة لا تقدم لها إلا صفات المؤمنين بالله والراجين رضاه ونصره ودخول الجنان والذاكرين الله كثيراً.
كانت هناك في الأحزاب صورتان، صورة النفاق في الخسة والجبن والبخل، وصورة الهادي المهتدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي صورة مشرقة في العطاء والبذل والثبات والثقة بالله فأقبلوا على هذا الإمام الرسول وكونوا من ورائه أتباعاً له.
إن أسوة المرء في الحياة تكون في أول الأمر اتباعاً لأصل الصورة قبل الدخول في التفاصيل، وعمود الصورة في شخص رسول الله هو ما يتعلق بركن الحياة الذي يسري في كل جوانبها، وإن كانت حياة المؤمنين هي الجهاد كما قال تعالى ((استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)) أي الجهاد، فإن ركن هذه الحياة هو الشجاعة والجود، ولذلك فعمود صورة الحبيب صلى الله عليه وسلم في كونه رسول الله في هذا الموطن هي شجاعته وجوده، فلا عجب أن تكون آيات الأمر بالإقتداء والتأسي تجري في سياق الجهاد في سبيل الله، وخلال عرض الصورة المضادة لجبن وبخل المنافقين خلال محنة الحصار حول المدينة.