تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المؤمنة، وهناك فقط ينظرون نتائج هذا الحصار على المؤمنين، ويستطلعون الأخبار وهم يتلمظون ويستمتعون بشهواتهم بعيداً عن هذه المحن التي يفرضها الإيمان والجهاد في سبيل الله تعالى.

البداوة قرين عمل خاص وهو الإنشغال بالإبل، والتحلل من التبعات، وانفصام الروابط، والفراغ من العيب لتشتت الناس في المسكن والعمل، وهذه كلها تضاد الجهاد في سبيل الله تعالى، لأنه قصف لما يحبه الناس من الإبل والأنعام والحرث، وهو انتظام المرء في قضايا أمة شرحتها خواتم آيات سورة الأنفال كما قال تعالى ((إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض ... إلى قوله تعالى إن الله بكل شيء عليم))، فالمنافقون يسعون للخروج من الجهاد إلى البداوة لما يحقق لهم هذا الخروج من شهوات.

هذه أماني المنافقين وهم في فرح كبير أنهم لم يلتحقوا بالمجاهدين حتى لا يصيبهم ما أصابهم، فهم يخافون الهجرة إليهم لما يقع عليهم من البلاء، ولذلك يستقرون في أماكنهم يطالعون الأخبار فقط، ويحمدون الله على جبنهم أنهم لم يكونوا معهم، بل كانوا أذكياء عقلاء!! حين لم ينخدعوا بدعوات المجاهدين: هلم إلينا، بل هم قرؤوا القضية جيداً، وعلموا أن الأمر سيؤول إلى عواقبه التي يعلمونها، ولذلك هم يؤمنون لذكائهم!! أنه لابدّ من بناء المؤسسات في أماكن مستقرة، بعيداً عن خضات المجاهدين وأفعالهم غير المحسوبة والتي تجر الأحزاب مرة بعد مرة لخراب ما يبنونه، وهؤلاء المنافقون شعارهم- إن كانوا ذا أدب-: اذهبوا واعملوا فإن أفلحتم سنأتيكم وإلا فإن من العقل أن لا نضع كل المسلمين في قضية واحدة غير مأمونة العواقب، فهم يقيمون بعيداً وفي منزلة السلامة يبنون اسلاماً وديعاً وله نفس طويل، وحقاً إن أمثال هؤلاء تطول حياتهم وحياة مؤسساتهم لمداهنتها واتساقها مع لون البيئة التي تكون فيه، كشأن الزواحف التي تملك قدرة تغيير اللون على البقعة التي تحل بها.

ولكن القرآن يعظ المؤمنين أن لا يحزنوا إن ذهب هؤلاء وضربوا بعيداً عنهم لأنهم:-

﴿ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلاً﴾

وهذا القليل في الحقيقة مفسد للقتال وسبب من أسباب الهزيمة، فإن المرء حين يضع في حسابه أن جنده في هذه المعركة يضمن أعداد هؤلاء ثم في وسط المعمعة ينقلبون عليه فهذا مؤذن بالهزيمة والخسران، بخلاف من يعرف عدد من سيبدأ معه ويبقى معه ويدوم إلى النهاية في القتال معه.

إن هذا الوصف ليس فيه أي مدح لهم، فليس قتالهم القليل فيه خير لدينهم ولا لمصلحة المؤمنين، بل هو شر كبير، ذلك لأن الكثير من النفوس تتأثر من انقلاب من حولها لغلبة سنة القطيع في البشر، فإن النفوس تضعف حين ترى المرافقين يتساقطون جبناً في الطريق، وهذا يعتري حتى أهل الصلابة واليقين فكيف بالضعفاء الذين يحتاجون دوماً إلى إمداد نفسي لثباتهم ودوام قتالهم. كما قال تعالى في سورة التوبة:-)) لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين)).

في غزوة الأحزاب لم يحصل قتال، ولذلك كشف الله أمانيهم، وكشف مستقبل نفوسهم لو وقع القتال، وبهذا أحاط الله تعالى وصف واقعهم كله، فكشف أقوالهم وأفعالهم وأمانيهم النفسية، وذلك في ألفاظ معربة بينة لخطرهم وشرهم وخبث دورهم في داخل صف الإيمان، ولأن هذا النموذج متكرر الوقوع في كل موقعة إيمانية تبتلى فيها مدينة مؤمنة وجماعة مجاهدة، ولذلك كانت صورة النفاق في هذا الموطن نقية صافية مستوعبة لهم، فيأخذها المهتدون بالقرآن نوراً يهتدون به في كشف زمانهم ورجاله وتجمعاته، ومع هذا العلم التفصيلي، وهو علم واجب، لأنه علم يتعلق بالإنسان في أشد حالات الإختبار،

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٤٧