تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

((يحسبون الأحزاب لم يذهبوا)) ولذلك لا يتصورون إمكانية العمل وينادون على وجه اليأس ((ليس لها من دون الله كاشفة)) تلعباً بكتاب الله تعالى، فإن وقع فعل جهادي عظيم رأوه ضمن خطة الطاغوت، لأنهم لا يرون سواه، فهو كما يملأ عليهم نفوسهم كذلك يرونه قد ملأ الوجود بعلمه وإحاطته وقوته، ويسمون هذا وعياً سياسياً.

﴿وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلاً﴾

كان ذلك وصفهم إن ذهب الأحزاب واقعاً، وكان ذلك وصفهم إن ذهب الخوف عنهم، ولكن هذا وصفهم إن جاء الأحزاب إليكم: يودوا لو أنهم بادون في الأعراب.

لقد كان مجتمع المدينة مجتمعاً مدنيّاً عظيماً، فهم أهل مصر حقاً يأرز الناس إليهم، والخارجون عنهم هم أعراب أهل بداوة، وهذا ذم شديد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

إن من مهمات الإسلام الوجودية والإجتماعية والسياسية هي إخراج الناس من فوضى البداوة وحياة الأعراب إلى حياة المصر والمدينة، ولذلك كان من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جعل" التعرب بعد الهجرة" من الكبائر، وهذا في كتاب الله تعالى فإن يوسف عليه السلام لما كان في ذكر تعداد نعم الله عليه أن قال لأبويه ((وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو)) فالبداوة تخلف إنساني لا تصنع حضارة ولا تبني أمة، ولذلك من أعمال الإسلام العظمى أن تحول الناس إلى أمصار ومدن تحقق فيها تعالاف الشعوب الذي ينضج الحياة ويعين هذه الشعوب على التخلص من ذاتيتها الضيقة القائمة على مفهوم القبيلة ليصبح التجمع قائماً على مفهوم آخر يصنع هذه المدينة وهو الاسلام في تاريخنا. ولذلك تحول الناس في أنسابهم من ذكر القبيلة إلى ذكر المصر الذي نشأوا فيه وأقاموا فيه، فلم تعد تعرف أنساب الناس بأجدادهم أكثر من معرفتك بمدنهم وأمصارهم كالبغدادي والدمشقي والمكي والمدني والصنعاني والمصري والأندلسي.

لقد أخطأ ابن خلدون وهو يرى أن الدول يقوم أساسها على البداوة، وفسر حركة الحياة الإسلامية بهذا المفهوم ومفهوم العصبة بمعنى القبيلة، وجعل انهيار الدول يقوم على تغلغل الحضر في هذه البداوة، هذا مع اعترافه أن الأعراب أبعد الناس عن العلوم، وهذا صحيح، (تنبيه: العرب في مصطلح ابن خلدون هم الأعراب وهو وصف متداول في ذلك الزمان، مع أن هذا خلاف اللغة فالأعراب هم أهل البادية والعرب أهل المصر لكنهم كانوا يطلقون لفظ العرب على البدو).

أقول لقد أخطأ ابن خلدون في تصويره عمود الحضارة الإنسانية بهذا القول، لأن سبب نهوض العصبة هو عمود الوجود الحضاري لا العصبة نفسها، وهي المفاهيم الإيمانية بدلالتها الشاملة، ثمّ إن البداوة ليست خشونة الإندفاع الذي تحققه السيطرة، بل البداوة مفهوم يعني غياب النظام والأنس، وهذه لا تصنع الحضارات ولا الدول، وعلى كل فمقدمة ابن خلدون اسلامية الأصول، ولكن هي ككل اجتهاد اسلامي فيها الكثير من الحق وفيها ما يختلف فيه الناس، وحتى هذه المسألة فإنها تحتاج إلى وقوف طويل واستعراض واسع ليس هذا محله لأن ابن خلدون يربط المدينة بالترف والبذخ ويجعلهما سبباً للانحطاط وهذا حق ولا شك فيه، لكن اطلاق مفهوم الحضر على هذه المعاني وجعلهما حالة واحدة هو ما يحتاج إلى تدقيق، وأظن أن مشكلة ما يسمى بالمنطق الأرسطي التي تجعل التصور له منفذ وحيد هو التعريف هي سبب هذا الخطأ من ابن خلدون. لكن يبقى القول إن البداوة والتعرب ضد الإسلام وهي من الكبائر كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن البداوة هروب من اللحمة، واضعاف لها، وتحلل من تكاليفها كما في هذه الآية هنا، ولذلك تمنى هؤلاء المنافقون هذه الأمنية الخبيثة، فإنهم يخشون المواجهة وآثارها فإن جاء الأحزاب تمنوا لو ذهبوا هناك حيث التحلل من ضريبة المدنية

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٤٦