﴿يحسبون الأحزاب لم يذهبوا﴾
هذا هو منهج الهزيمة الذي لا يرى النصر إلا بمقدار رغد الحياة الذليلة، ولا يرى النصر أبداً في زمانه على يد المؤمنين حتى يصير هو غني المال موفور السعادة الجاهلة، ولا يتخيل أن يقف الإيمان بضعف أهله ضد الشرك وطغيانه فينتصر عليهم حين يثبت أمامهم وتطول منازلاتهم بيوم لهم ويوم عليهم، فإن وقع ذلك صرخ هذا النفاق:- لقد انصرفوا عنكم بإرادتهم ولو شاؤوا لفعلوا فيكم الأفاعيل، وبعضهم يقيء بقوله:- منعهم من سحقكم قواعد دينهم ومناهج حروبهم حين احتميت في المدنيين وإلا لأزالوكم من الوجود.
هذا هو منهج الهزيمة الذي يبرر كل ثبات للإيمان الذي يدفع ثمنه شهداء أنه فعل الهه الباطل ومن خلال مشيئته هو.
لقد نصر الله المؤمنين انتصارات عظيمة في زماننا إذ وقع لهم النصر حين نجا الله أتباع محمد صلى الله عليه وسلم ووراث هديه كما وقع له بقوله تعالى ((وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك)) فلم يراه المنافقون شيئاً.
في زماننا حين وقفوا لأعتى أسلحة الكفر فأذلوهم وجعلوهم للناس عبرة، فضغط هؤلاء على أتباعهم من المنافقين- وارثي النفاق- فجاسوا من داخل المؤمنين وكان أمر الله قدراً مقدوراً، فإن قدر هذه الأمة الضعف إن كان الشر من داخلها.
لقد نصر الله المؤمنين في زماننا حين صرخ الشيطان صرخته بدفع الناس للدخول في طاعة أوليائه من فراعنة العصر فلم يبق أمام هذا الدجال إلا هذه القلة من نزاع القبائل فاستعلوا بإيمانهم فكانوا مؤمنين كما قال تعالى ((وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين))
كل هذا العجاج الذي خلفته هزيمة الأحزاب، وكل هذا الدفق الإيماني الذي يحقق هذه الإنتصارات ومع ذلك لا يرى هؤلاء المنافقون إلا الشهداء فيسمونهم قتلى ويعدونهم في خانة الخسارة، ولا يرون إلا السجناء الذين خرج الكثير منهم وهم حفاظ لكتاب الله في دورات إيمانية عظيمة. إنهم لا يرون هذا البعث الإيماني الجهادي والذي أحال الشباب من عباد شهوات إلى طلاب شهادة لأنهم لا يرون النّصر إلا أن يدخلوا المدائن على حصان أبيض من أول موجة يصنعها اولياء الله وذلك بعد كل هذا الخراب الذي لحق بالأمة من عقائد فاسدة وأفكار مضللة، وجاهلية ضربت في عمق المسلمين حكاماً ومحكومين، فانفكت أول عروة وهي الحكم بما أنزل الله، وتتالت العرى ذهاباً حتى أضاع الناس الصلاة واتبعوا الشهوات.
يا لبلاء أهل الإسلام بهؤلاء القوم، ويا لهذا الدين العظيم حين يركب على هذه الأوهام فيصبح مجرد كلمات وأشكال لا روح لها.
لقد صارت قلوب هؤلاء هواء، ولذلك فلينعم الأحزاب بهؤلاء الجنود الذين يعيشون بيننا ويرون ما لا يرى الأحزاب أنفسهم، فإن الاحزاب تعلم أنها مهزومة، وسترحل وهي ذليلة، ولكن المنافقين لا يرون ذلك، بل هم كما قال المثل الفارسي:- "إن الشيخ لا يطير ولكن أتباعه أطاروه".
﴿يحسبون الأحزاب لم يذهبوا﴾
والله إن الواحد منهم لينصح الآخر بعدم قول"آه" إلا تحت اللحاف حتى لا تسمع الأحزاب شكواه فيعد من طائفة المجاهدين، وليتهم يقولون هذا على وجه اتقان العمل بعيداً عن أعين الاحزاب، ولكنهم يقولون على وجه إذهاب العمل وعدم وجوده، وهذا فعل الجبان.