تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلاً﴾

﴿يحسبون الأحزاب لم يذهبوا﴾

هذا تمام وصف الجبن في قلوبهم، فهم يظنون الأحزاب لم ينصرفوا عنهم لما دخل في قلوبهم من الخوف الشديد منهم، وأنعم النظر في الفرق بين قوله في الآية السابقة ((فإذا ذهب الخوف)) وبين قوله ((يحسبون الأحزاب لم يذهبوا)) وذلك لأن الخوف ساكن في قلوبهم حتى بعد انصراف الأحزاب بزمن، فذهاب الأحزاب مع وهم بقائهم أدام الخوف في أنفسهم، وهذا شأن المرتعش جبناً من عدوه فإنه يخشاه مع بعده، ويرتجف منه وهو منصرف عنه، وما أن يقعقع له الشنان حتى تصطك رجلاه طويلاً بلا سبب إلا الخوف الكامن في القلب، هذا الخوف المبني على الوهم، وهذا ما حذر الله منه في قوله في سورة آل عمران:)) إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين)).

الإعتناء الرباني بأثر الأحزاب على نفوس هؤلاء يدل على أهمية هذا البناء وأثره العميق في النصر والهزيمة.

لقد ذهب الأحزاب وانصرفوا ومع ذلك بقيت الآثار المدمرة في نفوس المنافقين، فإن معركة الأحزاب أراد منها أصحابها تدمير المدينة المنورة وقتل المؤمنين فيها، وإلحاق الباقين في طاعتهم من الذين استجابوا في الفتنة ولم يتلبثوا فيها إلا قليلاً، ومع ذلك لم يتم لهم المراد وانصرفوا على أعقابهم وهزموا هزيمة ربانية جلية، ولكن هؤلاء المنافقين لم يروا نصراً مؤزراً، ولا يعانون ما يعانيه المؤمنون من التأييد الإلهي، لأنهم هزموا ولم ينتصروا كما انتصر المؤمنون، وهذا شأن المنافقين الجبناء، إذ لا يرون النّصر الذي يقع لما يكون في قلوبهم من اشراب الهزيمة، ولما يبصرون ويعظمون ما يقع لهم من البلاء والخسارة اللازمة للجهاد نصراً إن وقع وقروحاً إن كانت، فهؤلاء مهزمون دوماً لأنهم جبناء.

لا عجب بعد ذلك أن يكون من معاني قوله تعالى ((سلقوكم بألسنة حداد)) هو ما يقع منهم من القول بسبب الهزيمة التي لحقت قلوبهم ونفوسهم، فهم يخوفون المؤمنين منهم، ويرجفون بالأقاويل المدمرة التي تحبط إرادات المجاهدين من قصد الجهاد والنفير إلى أرض أعدائهم.

إنهم يتصورون إن أيدي الأحزاب طويلة حتى لو ذهبت جنودهم، فليصح هؤلاء الأغرار!! من المجاهدين الذين امتلأت قلوبهم تصديقاً بوعد الله، وإيماناً بأن الشهادة أقصر الطرق لرضى الله وجنانه، ليفق هؤلاء فإن ذراع الكفر تستطيع أن تبطش متى شاء، وتصل إلى أي أرض مرام تريده، والحق أن هؤلاء المنافقين لا يرون يد الله في تدمير وزلزلة هؤلاء الكفرة الأحزاب، وهم عميان عما في الكفر من ضعف حتى وهو في أوج صراخه وتهديده، فها هي أحزاب عصرنا قد ضربها الوهن الداخلي، إذ أنفقت المال صداً عن سبيل الله ثم صارت عليهم حسرة، وهم في طريق الهزيمة الكاملة، فصار الدرهم الواحد تشكو من ذهابه أكابر الدول والحكومات، وصاروا يعدون على جنودهم مقدار ما يأكلون ويشربون وهم الذين أوهموا المنافقين أنهم آلهة يقولون للفقر كن غنيً فيحول إلى مرادهم، وينفخون في الأوراق فتصير ذهباً، وها هي أبنيتهم تنقض عليهم من داخلها بأكل دابة الأرض لها، وسينهارون وحينها سيعلم المنافقون أن آلهتهم باطلة وأنها هواء ((فما أغنت عنهم آلهتهم التي كانوا يدعون من دون الله لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب، وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد))

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٤٤