تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يصح هذا المعنى، وهو عدم إيمانهم من قبل الأحزاب، وأما حبوط أعمالهم بما فعلوا وقالوا في الأحزاب فإنه على معنيين: إما العموم؛ أي بسبب عدم إيمانهم فإن ما يعلمونه من عمل فإنه حابط، وأما ههنا في الأحزاب فقد وصفهم القرآن بقوله ((ولا يأتون البأس إلا قليلاً)) فهذا العمل الصالح يحبط إيمانهم قبل فهذا فيما يناسب الحال وسياق الحدث.

وهناك معنى آخر؛ وهو عدم إيمانهم في هذا الموقف الجهادي في الأحزاب، فإن فعلهم هو مضاد للإيمان وهو فعل الصحابة من الصبر والثبات والعطاء، فلما لم يفعلوا فعل الإيمان صح فيهم القول ((لم يؤمنوا)) وذلك كقوله تعالى ((فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به))، وهؤلاء لما جاءهم الأحزاب لم يؤمنوا حيث لم يقوموا بفعل الإيمان المطلوب منهم، وعلى هذا الوجه فكيف يكون معنى قوله تعالى ((فأحبط أعمالهم))؟

الحبوط على الصحيح يكون عاماً ويكون خاصاً، فالشرك يحبط عموم العمل ولا يبقى للمشرك منه شيء، والمعاصي من الكبائر تحبط الأعمال كذلك، لكن ليس بعمومها، فكما أن "الحسنات يذهبن السيئات" فكذلك العكس، وهذا هو الحق، ومن زعم أن هذا مذهب بدعي فهو مخطئ لا يعرف مقالات الناس ومذاهبهم، فعلى هذا يكون تخلفهم عن فعل الإيمان في الأحزاب سبباً في حبوط أعمال صالحة لهم.

وقوله تعالى ((لم يؤمنوا)) يحتمل ذهاب الإيمان كله ويحتمل بعضه وهذا معروف في كتاب الله تعالى، وليس قوله تعالى ((فأحبط أعمالهم)) يقتضي الكفر الأكبر كما تقدم، والناس في هذا بحسب مراتبهم، وأما حمل هذه الآيات على المنافقين نفاقاً أكبر دون النفاق الأصغر فقولهم بعيد.

﴿وكان ذلك على الله يسيراً﴾

إن ختم إحباط العمل بهذه الفاصلة القرآنية الجليلة ليدل على أن إحباط الأعمال الصالحة أمر عظيم الشأن، ولذلك هو فعل الرب سبحانه وتعالى دون سواه، ومن نازعه في ذلك كفر وأشرك ذلك لأن أمر الحسنات والسيئات أمر رباني لا دخل للبشر فيه، ثم يدل على أن الله سبحانه وتعالى لا يستكرهه أحد مهما بلغ شأنه ورفعة عمله، فإنما غيره عبيد له يجب عليهم طاعته في كل حال ووقت حتى يأتيهم اليقين. مع ما في ذلك من الوعيد الشديد للساكلين والعابدين والمسلمين من السقوط وقت المحن، فإن أهل الإسلام مبتلون دائماً، فجريان العابد والمسلم على وجه واحد من الحياة والطاعة أمر بعيد، بل ستأتيهم هزات ومحن تقليهم فتبين معادنهم، فسقوط المرء في إحدى هذه الامتحانات مؤذن بحبوط عمله وذهاب أجره الذي كان يعمله مهما كان عمله الذي كان عليه، ولذلك فإن تاريخ المرء ليس مانعاً من سقوطه في امتحان يلاقيه، ومن هنا كان خوف السابقين من العواقب، أما أن يجلس المرء فاتحاً فاه على الشر، مقيماً رجليه على الباطل، داخلاً، في زمرة أعداء الدين، ويدفع عنه التهم بحجة سابقته فهذا صنيع المنافقين الذين لا يرجون الله والدار الآخرة.

ومما يؤسف له أن هذه الصور المنتكسة موجودة في كل زمان تظن أن العمل الصالح الذي قدمته عبادة لا يمكن أن تنزع عنه، فهو يتاجر بها عند كل ملمة تكشف معدنه الذي صار إليه من الضلال، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور ونعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى.

إضاءة: ورد في بعض كتب التفسير أن بعض هؤلاء ممن شهد بدراً، وهذا أمر ينبغي الضرب عليه وعدم رفع الرأس به فإنه مما يخالف قوله صلى الله عليه وسلم:- لعلّ الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم .. وكما في الصحيح أنهم خير أهل الأرض زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولولا وجوده في كتاب التفسير الشهيرة لما عرضت له لما في ذلك من اشاعة الغلط.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٤٣