المعالي التي تتعلق بالوجود كله، ذلك لأنه عبد لله وحده، لا تأسره الصغائر، ولا تعوقه الأهواء، ولا ترهبه الأوثان والصور، فالإيمان عنده عدو لكل ذلك، فكما أنه عدواً للآلهة الباطلة التي تعبد من دون الله، فهو عدو كذلك للقيود التي تعوّق الإرادة.
تجديد القرآن ليس موقوفاً أمام ألفاظ نصححها، وكلمات نقيم اعوجاجها، وحركات نعدّل صورها، بل تجديد القرآن هو بعث الإنسان من أسار الجهالات العلمية ومعوقات الإرادة الباطنية، ومن خلال ألفاظ الجامعة التي تذهب مباشرة إلى قلب الإنسان، ذلك المضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله.
إن التاريخ العلمي الفاصل بيننا اليوم وبين كتاب الله تعالى ضروري، وضرورته لا تعني أبداً أن نستغرق فيه دون الوصول إلى الهدف وهو القرآن، ولكن هذا ما وقع فيه الكثير من دعاة الإصلاح، وقد يكون في زمن من الأزمان هذا الفعل صحيحاً حين يكون الوهن فرعي وفي ساقية من سواقي الإسلام الذي يسري بحره نقياً سليماً، لكن حين تنهار الأمة وتتلاشى هويتها وتغيب وراثتها فإن هذا الفعل لا يصلح هذا الخلل الكبير، إنما يجب العودة إلى القلب لا إلى الأطراف، والعودة إلى القلب تعني العودة إلى القرآن، والأمة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:- "إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب"، وهذا تفسير لقوله تعالى ((بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون))، فالقلوب هي مرجل الحياة، وهي أساس الصلاح، وعماد صلاحها هو القرآن، لا بألفاظه كما كان عند أهل الكتاب ((لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ)) أي قراءة حروفه دون تدبر معانيه، بل لابدّ من فاعلية علومه في القلوب، وهكذا كلما عاد القرآن حياً في القلوب كلما تحققت وعود الله تعالى للعباد.
﴿أولئك لم يؤمنوا﴾
إن هؤلاء الذين جبنوا عند اللقاء ومنعوا الخير عن المؤمنين والمجاهدين لم يؤمنوا، وهكذا يتم التدافع بين هذين المرضين وبين الإيمان، فإذا قوي الإيمان ضعف الجبن والبخل، وإذ ضعف الإيمان قوي الجبن والبخل، فإذا جاءت المحن وتفجرت سلوكات الجبن والخوف إلى واقع عملي هو واقع المنافقين فذلك هو المراد من قوله تعالى ((أولئك لم يؤمنوا)).
دع كل طاعتهم التي يقومون بها، ولا تنظر إلى عجبهم أمام المساجد، ولا إلى صراخهم بلبيك اللهم لبيك، ولا بكل الطاعات التي تحبها أنفسهم من لباس البياض ومحبة أكل الذراع من الشاة وانظر إلى مواقفهم عند مجيء الخوف وماذا يفعلون، ولا والله ليس الأمر تقليلاً من هذه الأعمال ولا تصغيراً لها، فكل طاعة أمر الله بها هي إيمان ودين من استهزأ بها كفر، ولكن معايير الإيمان التي تفارق النفاق لابدّ من معرفتها، لأن النفاق لا يعني أبداً أن لا يعمل المرء بطاعة قط، وغياب الإيمان لا يعني أن لا يكون المرء على عبادة من العبادات أبداً، فمن ظن هذا فإنه لا يعرف الإيمان ولا يعرف النفاق.
قوله ((لم يؤمنوا فأحبط أعمالهم)) أي ماضياً، لأن لم حرف جزم لنفي المضارع وقلبه ماضياً، فهل هؤلاء لم يكونوا مؤمنين من قبل قدوم الأحزاب؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف حبطت أعمالهم بما اقترفوه من جبن وبخل في هذه الغزوة وهم غير مؤمنين قبل فلا أعمال مقبولة لهم؟!