تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد جاء وصف ألسنتهم بذلك ليكون دالاً على هجومهم ضد المؤمنين، لا وصفاً لمن يدافع عن النفس فقط، ولذلك هم يسلقونكم بمقالهم وكلامهم، وهذه وقاحة أخرى، إذ أن المرء إن ملك بعض الحياء يمكن له أن يدافع عن نفسه بتبرير ما وقع منه من التخلف، لكن وقاحة القوم تعدت إلى الهجوم ضد المجاهدين الذين بذلوا أرواحهم وأموالهم في سبيل الله تعالى، وهذا أمر موغل في الشر بعيد الغور فيه.

﴿أشحة على الخير﴾

هذا على الأقوى وصف لألسنتهم، أي أنها لا تأتي بخير من القول، وهناك من قال: إن هذا وصف عند الغنيمة كما قالوا في الأولى ((أشحة عليكم))، والتأسيس عند أهل العلم أولى من التأكيد، والحق أن أمر الغنائم في هذا الباب ((أي في الأولى وهنا)) بعيد لأن الأمر له تعلق بالحال العام الذي يكونونه في الخوف ويكونونه إذا ذهب، وذهاب الخوف لا يقتضي حصول الغنيمة، بل إن الخوف قد يكون بسبب وهم لا حقيقة كما هو شأن الجبناء غالباً كما سيأتي في قوله تعالى ((يحسبون الأحزاب لم يذهبوا))، وكذلك في وصف الله نعمه على قرية من القرى بقوله ((وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون)) فجمع بين الأمرين والإطمئنان لها، وهذا دليل على اختلافهما من وجه ذلك لأن الترادف ممنوع في القرآن على الصحيح، فقد يكون المرء مطمئناً لجهله بما يحيط فيه فلا يكون في أمان، وقد يكون آمناً لا شر يحيط به ولكنه غير آمن لوهم الخوف في قلبه، ولذلك فجماع الخير لهذه القرية هو اجتماع الأمان الواقعي والاطمئنان النفسي، والخوف ضد قلوبهم وهو كافر لحصول العذاب سواء نقض الأمان أم لم ينقض والله أعلم.

ولذلك فقوله تعالى ((أشحة على الخير)) هو حال الإطمئنان بعد ذهاب الخوف، فليس لهم مقامات في الخير حال الأمن، كما ليس لهم صولات حال الجهاد، هذا الذي يقتضيه العموم، فإن كان وصفاً لألسنتهم، فإن بخل المرء بكلمة الخير حال الأمان أدعى للبخل بما هو أكبر منها من العطاء وفعل الخير كله.

﴿أولئك لم يؤمنوا﴾

هذه خصوصية العلم القرآني الذي لا تجده أبداً إلا وفيه، وما سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تفسيراً له وهو يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الجبن والبخل"، مع أن القرآن أبلغ وأعظم وأوعب، فهل هناك أحد ممن كتب في الإيمان جعل الشجاعة والجود فعلاً إيمانياً، وواجباً من واجباته، وأن تخلفهما يلقي الرجل في أعمال تضاد الإيمان وتذهبه إما على وجه كلي أو وجه جزئي بواجب من واجباته؟.

هذه خصوصية القرآن والتي يجب على أهل العصر أن يعودوا إليه قبل كل مشروع، وقبل كل حركة لأنه وحده القادر على بعث الحياة في هذه الأمة وتغيير مسيرها إلى وراثة الأرض، ودون ذلك إنما هو أبنية صغيرة لا تقيم إلا سواقي صغيرة من الخير لا ينكر فضلها لكنها لا تصل إلى أهداف القرآن في الوجود، ولا إلى أهداف أمة الإسلام التي جعلها الله خير أمة أخرجت للناس.

إن الوجه والصورة الحقيقية لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أقاموا أساس المشروع الكلي لحضارة الإسلام وهداية الناس وإدخالهم في دين الله تعالى كانا على وجه مميز، إذ لم تكن رؤاهم ذرية، وليس عندهم استغراق فيها إلا ضمن البناء الكلي الكبير، وهذا هو عينه ما يبنيه القرآن إذ يذهب إلى الإنسان ليقيم عنصراً فاعلاً فريداً، له همة تذهب إلى

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٤١