إنه لا يوجد منصف عالم بكتاب الله وسنة رسوله، خال من الجبن والبخل، ثابت الرشد إلا وهو يعلم بل ويوقن أن طائفة الجهاد في زماننا هي طائفة الحق، وهي دون سواها المقيمة على نفس الدرب الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
سينازع في ذلك أهل النفاق من الجبناء والبخلاء لأنهم أصحاب وصف ثالث:-
((فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد))
لقد كانوا قبل عند مجيء الأحزاب رمة ميتة لا تتحرك فيهم اختلاجاً إلا عيونهم، قد ضغط الخوف على قلوبهم حتى لتكاد تزهق، فما أن يذهب عنهم الخوف حتى تتحرر مفاصل أبدانهم، ويفيقوا من غشيهم فما ترى منهم بعد ذلك إلا هذه الحراب والسكاكين الحادة تخوض في المؤمنين والمجاهدين.
حين يذهب الخوف، إما أن يذهب جسداً وقوة بصرف الله تعالى له، وإما أن يذهب الخوف بأن ذهبوا في كنفه وحياطته فآواهم وطمأنهم وأسبغ عليهم أمانه ورضاه عنهم، حينها"سلقوكم"، والسلق لفظ جامع لمعاني الشر هنا، إذ أنه يحمل معنى الأذى والقطع وفصل الأعضاء عن بعضها كما يسلق اللحم عن العظم أي يفصلها، وغلاها بالنار وأحرقها، فكل هذا فعلوه بألسنتهم، وهو يدل على قوة فعل اللسان وأثر كلامه في الحياة والمجتمعات والإنسان.
وعلى المرء أن لا يعجب هذا من الجبناء والبخلاء، فإن من اتصف بهاتين الصفتين لن يعدم أن يكون قليل الحياء كذاباً، ولن يعدم تبريراً لبخله وجبنه، والحق أن المرء يرى هذا في الناس حقاً، فحين ترجو من البخيل الجبان حياءً فكأنك ترجو الشهد من الحنظل، إذ له جنان على الوقاحة وملاقاة وجوه الناس وعدم الاستتار منها شيء عجيب، مع أنه يرى عيون الناس وهي تنظر لبعضها متعجبة من مقاله، وهو يتمادى كأنه لا يفهم ما تقول عيونهم لبعضها، فما يبرح العقلاء إلا أن يقوموا ساكتين واجمين من هول كلامه وتبجحه وهم حيارى من وجود هذا النوع من البشر، ثم هو يمضي لا يضره أن يعلم الناس عنه كذب مقاله وجبن وبخل نفسه، وكأنه يقول: فليقولوا ما يقولون ولكني نجوت ونجا مالي وهذا عندي أغلى وأهم، وهذه هي صفة الوقاحة التي تضاد الحياء، والحياء صفة التي لا تأتي إلا بخير منا كما وصفها رسولنا صلى الله عليه وسلم.
﴿ألسنة حداد﴾
إن هذا الوصف القرآني لألسنة هؤلاء بالغ عميق، وكأن الألسنة قطع معدن لا جزءاً من بدن إنساني، وهذا يجعل الألسنة أسلحة أقوى ما في البدن من قوى، وهي قوة المنافقين في إيذاء المؤمنين، وهي قوة للحق حين تكون مع أهله، وهذا باب محله ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعر حسان رضي الله عنه ومقامه في الذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجاء المشركين.
وللعلماء مقالات في نوع هذا السلق، فمنهم من قال: إنها حين الغنيمة، ومنهم من قال غير ذلك، ولا شك أن الأمر أعم من ذلك، وإنما هذا من جنس تفسير الشيء ببعض صوره، ومن جنس ما يعانيه المجاهدون اليوم من سلق إخوان هؤلاء ما يقولونه عن المجاهدين وهم في كنف الكفر وحمايته حين رضي الله عنهم لدخولهم في طاعته، أو لتوبتهم من مجاهدته في سب المجاهدين وذكر عيوبهم وعوراتهم وتحميلهم سبب بلاء الأمة وحصول الشهداء، وهم في ذلك أسلحة غائرة في لحوم المجاهدين، وألسنة لاعقة لدمائهم.