تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه هي معضلة الناكبين عن الجهاد والعائبين لأهله، والذاهبين إلى طريق البدعة والباطل، وكل عقلانية يتخفون وراءها هي غلالات رقيقة لا تصمد أمام الكشف القرآني، ذلك بأن الله سبحانه وتعالى يحكم ولا معقب لحكمه، ويصفه ووصفه الصدق، وهذا ما لهم زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كل زمن إلى يومنا هذا، فإنهم لما رأوا جيوش الكفر زاحفة بأسلحتها، ترمي بأطنان الدمار والخراب، ورأوا البلاد تؤخذ واحدة تلو الآخرى، وهم قد جلسوا طويلاً يسمعون قصف العقول في حرب سبقت حرب الأسلحة، فلم يعد أمامهم إلا الإنبطاح والذهاب إلى عتبات الغازي لطلب الود والرضا، وتهارشوا مع الآخرين على ما يلقى إليهم من عطايا الكافرين، فإن خوطبوا بالوعود الإلهية قالوا: ليس هذا زمانها، بل هذا زمان طأطأة الرأس والإنحناء أمام سطوة الكافر وجبروته، وذلك كما ركض أخوانهم إلى موائد المرتدين أزلام الكفر الأصلي يطلبون حق الحياة، وأخذ بعض العطايا والمنح، فتشابه الحال بلا كذب ولا نفاق، لأنهم زعموا قبل أنهم لا يرون كفر هؤلاء المرتدين، بل هم مسلمون مثلهم، فإن كان الأمر كذلك وليس كذلك فلم إذاً ركضتم إلى كفار النصارى لما غزو بلادنا وسرتم معهم سير اخوانكم مع المرتدين؟!

إنه ضعف اليقين على وعود القرآن،)) ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً))، وإنه الجبن والخور الذي غزا القلوب إذ لم ينهضوا نهوض الرجال الشجعان- حتى من غير المسلمين- لمجابهة أعداء أمتهم ودينهم ومقومات بلادهم، فقد تجاوز الأمر خلوهم من وصف المؤمنين إلى وصف المنافقين إلى وصف إنساني جامع لأمثالهم من بني البشر جميعاً: خونة جبناء.

هؤلاء المنافقون والجبناء والخونة بأوصافهم الشرعية والإنسانية (في القرآن والتاريخ) يتسترون بحجج يظنون أنهم أصحاب بكرتها ولم تكن في أمثالهم في السابقين، وأن ما يفعلونه هو عين الحكمة، وأن طريقتهم هذه تستطيع أن تحقق المراد، وتحفظ مطالب الأمة والدين بدون دماء وقتلى وقتال (يا لهؤلاء القوم وبغضهم للجهاد والشهادة والمحن)، وهي حجج قالها أسلافهم لكنهم لا يقرؤون، وليس للتاريخ عندهم موطن يعتبرون به ويتعظون بأحداثه، وأما القرآن فهو عندهم كتاب لتوزيع الإرث وأحكام الصلاة والزكاة وما في هذا المعنى، وظنهم هذا لا يبعد عن ظن الزنادقة في كتاب الله لو فقهوا.

لقد أقام المجاهدون في سبيل الله تعالى ضد المرتدين حججهم الشرعية الوافية القوية، ولم يُرَدَّ عليهم إلا بكلام ذاتي شخصي ألبسوه عمائم العلم زوراً وأطلقوا عليه اسم الفتوى، وزعم الناظرون في الأمر أنه مشتبه، ثم حصل ما حصل من أحداث جسام (في عصرنا)، غزا فيه الكفر بلاد المسلمين وحطوا رحالهم فيها بجنودهم ومشاريعهم، فحصل ما حصل، إذ ذهبت جماعات البدعة والإنحراف إلى صف النفاق، فلم تعد بدعة في القول، بل صارت فعل نفاق صريح وصفه في كتاب الله تعالى، ولم يبق في ساحة الإيمان ضد جموع الكفر وأحزابه إلا هؤلاء الرجال الذين علموا الإيمان وعملوا به، ووقفوا موقف الجود بالمال والنفس، كرماء شجعاناً، فلم ترتجف أرجلهم أمام الزحوف، ولا ظنوا بوعود الله ورسوله صلى الله عليه وسلم شراً، ولا نسوا قوله تعالى: "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله" بل ساروا على درب الأنبياء وأتباعهم، واهتدوا بسيرة الصحابة رضي الله عنهم، وما زالت نار الحرب قائمة، فمن يجوز له الآن أن يشك أو يضطرب في معرفة حال الناس وافتراقهم؟!

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٣٩