تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن وصف القرآن للخوف بالمجيء وصف يلقي بضعف هذا الجندي في يد الأعداء، فهو سلاح وهمي خادع، فلو تأملت الفرق بين كلمة المجيء في قوله تعالى ((وقل جاء الحق وزهق الباطل)) لعلمت قوة الحق في نفسه حتى بمجرد حركته الإعتيادية، وذلك بخلاف وصفه لكيفية فعله ضد الباطل كما قال سبحانه ((بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه))، ولذلك فالخوف لا يملك قوة القذيفة كما يملكها الحق، لأنه سلاح الشيطان كما قال تعالى ((إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين))، ولذلك فإن كل هذه الجنود لا تملك فعلاً حقيقياً إنما هو الخوف ذلك السلاح النفسي الذي يستجيب له المرضى والمنافقون، وأما الفعل فهو كما وصفه تعالى ((إن يضروكم إلا أذى)).

المؤمن لا يرى إلا جنوداً ورجالاً بأيديهم السلاح، فهذا قدرهم، ولذلك يتعامل معهم تعاملاً قدرياً دون أن يتخللوا إلى داخله، فليست حدودهم إلا الواقع الكوني الخارجي، وأما غيرهم من الضعفاء والمرضى والمنافقين فإن فعل الكافرين يتجاوز ذلك إلى داخلهم ولهذا السبب يتم الإنهيار ويقع الضعف فيسارعون فيهم وهم يقولون ((نخشى أن تصيبنا دائرة))

تأمل وصف الأحزاب عند ذكرهم في معرض المنّة الإلهية على المؤمنين فقال ((يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود))، ولما كان الخطاب وصفاً للمنافقين جاء ذكر الأحزاب بقوله ((فإذا جاء الخوف))، ذلك لأن الأحزاب في نفوس الصحابة رضي الله عنهم مجرد جنود، يقع بينهم ما يقع بين الجنود من صراع سنني، يتألم هؤلاء ويتألم هؤلاء، ويوم لنا ويوم علينا، ولكن الأحزاب في نفوس المنافقين والمرضى أكثر من مجرد كونهم جنوداً، بل هم "خوف"، لا يقتل الأبدان فحسب ولكن يفسد القلوب كذلك، ولذلك فالشجاع يموت مرة واحدة، وذلك حين يموت بدنه، وأما الجبان فيموت مرات لأن ما يقتله ليس سلاح خصمه بل الخوف الذي يعتريه عند كل فزعة وهيعة وصرخة.

﴿فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه الموت﴾ فهذا موتهم في كل مرة يأتيهم فيه الخوف، فتدور أعينهم موتى مرة بعد مرة مع أن قدر الموت الحق لم يأت بعد.

أما أنهم ينظرون إليك، فبعض أهل التفسير قال: لواذاً بك، أي يرقبون منك نجدتهم وإخراجهم من هذه الحفرة التي تحيط بأرواحهم وأنفاسهم، والأمر أشمل من ذلك، فهم ربما ينظرون نظرة اللوم وكأنهم يقولون:- هذا كله بسببك وذلك كما وصف الله بقولهم ((وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك))

﴿تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت﴾

لقد شل الخوف إرادتهم وأذهب عنهم العقل والرشد والإدراك فذهبت عيونهم تدور مضطربة اضطراباً يعبر عن خفقان القلوب التي تكاد تقف وكأن الموت غشيها، وهذه صفة النفوس التي تلقي بظلالها على العقول، فالخوف النفسي أبطل حكمة العقول، فهل هذا النفاق له تعلق بتصور ما يستقر في العقل ويردده اللسان ثم لم يغشى القلب فيحيله شجاعاً ثبتاً راسخاً؟! إنها العلل النفسية التي ترتد على العقل فتبطل قواعد الفطرة فيه فلا يدري ما يقول.

هذا الوصف الرباني الجامع، والذي يسلط ضوءه على وجه هذا الجبان، فيتلاشى كل هذا الرأس في منظر العينين وهم يدوران اختلاجاً لا روح فيهما، بل هو أشبه بارتعاش البدن من مرض قاهر سلط عليه، هذا مع ما تقدم من حالهم وأنهم قعود في طريق الذاهبين للجهاد والمقيمين فيه، وكأن بدنهم كله صار رمة بالية لا تستدعي النظر لأنها ساكنة خالية، ولم يبق في هذا البدن إلا حركة العينين على وجه يثير تعزز الشجعان.

إن ثبات النظر وحدته يدلان على ثبات الجنان وقوة يقينه وإدراكه أمام ما يعرض عليه من محن، وأمام ما يرغب ويزيد به خصمه، وثبات الجنان يوجب ثبات البدن ولزومه في غرز الجهاد وعدم مفارقته.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٣٨