تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الإنفاق على المجاهدين في هذا العصر هو جهاد في سبيل الله تعالى، إذ أن الكفار والطواغيت يسعون جهدهم وطاقتهم لمنع وصول الأموال إلى المجاهدين وأهلهم، وهم في هذا بمقدار ما يبذلون من لحوق الرجال بهم، ولذلك فإن المنفقين الذين يحتسبون انفاقهم ويريدون وجه الله وعظيم الأجر أن يتحلوا بصفة الشجاعة كذلك، فلا يمنعهم كل هذا الكيد وصراخ الشيطان من أن يبذلوا الأموال للأولياء الذين يدافعون عن دين الأمة وأعراضها وقيمها.

ومن معاني قوله تعالى ((أشحة عليكم)) كما قال أهل التفسير رغبتهم وحرصهم في امتلاك الغنائم، فإنهم مع فعالهم القبيحة وأقوالهم المنكرة وقت الجهاد إلا أنهم وقت الغنيمة يسعون منعها عن أهلها، ويشبه هذا المعنى ما يفعله أهل هذا العصر من محاولة جني الإنتصارات إلى جعبتهم، فيزعمون أنهم عدتها، وأن فعالهم مهدت لرجالها، وهم قد بنوا قاعدتها، وذلك في قلة حياء تتناسب مع البخيل والجبان، فشحهم جلي في بابين، المال وكلمة الحق. هذا مع ما في معنى كلام المفسرين بأن المنافقين لا يحبون النصر للمؤمنين، ولا يتمنون لهم حصول الغنيمة، وهذا شأن البخيل فإنه يكره الخير للآخرين حتى لو وقع من يد غيره.

﴿فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه الموت﴾

هذه صفتهم الثانية، وهي صفة الجبن عند النوازل والحوادث والكربات، والقرآن يذهب فوراً إلى الحقائق النفسية دون تطويل في الوصول إلى الهدف، مع وصف إلهي باهر للمشهد الإنساني المعبر عن هذه الحقائق الإنسانية، فأنت كما رأيت اللفظ السابق ((أشحة عليكم)) بغناه المعنوي، ودفقه البليغ من خلال كثافة اللفظ وإيجازه، ذلك بأن الشح هو منع ينكفي صاحبه إلى داخله دون أي تعبير جسدي في هذا الموقف، وهو موقف لا يقع السؤال لهم بالعطاء بخلاف ما لو وقع السؤال للبخلاء فهناك جاء وصف حركة أجسامهم وذلك في سورة براءة في قوله تعالى ((والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم))، ذلك بأن البخيل إن سئل كان أول الإعراض في العطاء يتمثل في وجهه ثم يستدير إلى جبنه ليفارق السائل، ثم يدبر ماشياً بعيداً عنه مولياً له ظهره.

هنا وصف كثيف ((أشحة عليكم)) لخلق البخل الشديد، والشح عندهم زائد عن مجرد البخل بل فيه كذلك تهمة الجمع والحرص على التكثير، ومع ما في منعه من سوء الخلق، وحين جاء القرآن الكريم إلى جبنهم وصف قسمات وجوههم وحركة عيونهم لما في ذلك من دلالات أشمل وأعمق، فإن هذه الحركات المتوجهة إلى شخص الرسول صلى الله عليه وسلم فيها تعبير عن معاني الإنكار الذي يوجهونه له بأن سبب هذه المحنة الشديدة.

((فإذا جاء الخوف)) وهذا من باب تسمية الشيء بأثره، فإن مجيء الأعداء بهذه الكثافة دون وجود الجيش القادر على مواجهتهم يعني مجيء الخوف، ومجيؤه هو قدر المدينة المسلمة وقدر أهلها وهو في طريق لأكل القرى الآخرة ووراثة الأرض.

هذا الخوف الآتي تسلل إلى الداخل، مع أن سببه وهو الجيش لم يتعد حدوده إلى داخل المدينة، وهذا هو معنى الجبن الحقيقي، إذ أن الأثر النفسي كالهالة التي تحيط بالشيء فتصنع منه حجماً أكبر من حقيقته بسبب ضعف المقابل وقلة يقينه، وهذا شأن الأعداء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ((نصرت بالرعب مسيرة شهر))، وهو من أدوات الحرب يستخدمها كل فريق ضد الآخر ولذلك تقدم ما فعل الله في قريش بقوله ((سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب)) وما عصم الله عباده بأمره للملائكة ((فثبتوا الذين آمنوا)).

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٣٧