تأسر النفس الكريمة التواقة للمعالي والمكرمات، هذا مع ما رأيت وشاهدت من غيرهم من تكالب على الدنيا، وجشع في تنافسها، والرغبة في ازديادها حتى إن الرجل منهم ليخاصم صديق عمره على هذه اللعاعة، بل ويتحاكم إلى الطاغوت ضد هذا الصديق من أجل دريهمات قليلة هي أخسّ ما في جناح هذه البعوضة المهانة في الله تعالى. ولقد رأيت بعضهم ممن يحب طريق المجاهدين وهو على غير هذا الغرز من الجود والشجاعة، بل هو لجوج مخاصم على الدرهم والدينار فكنت أعجب من انتظامه في هذا السبيل، فما هي إلا صدمة غلت تحته تكشف حاله وبان معدنه، فذهب مع الذاهبين في أفكار فهل المجاهدين لما صار في البلد الذي يرجو مزيته وعطاءه، ويخاف منعه وغضبه، ويفتي للمسلمين بكشف ستر المجاهدين.
شتان بين من يبذل ماله ونفسه لله تعالى غير مبالي بما يقع له، لا يرجو إلا الجنة، وبين حركات تنشطر حيناً وتتشاجر حيناً على مناصب يعرضها عليهم الطاغوت، ولقد تتبعت حركة من هذه الحركات الإسلامية!! فما وجدت لهم مرة واحدة يُعرض على أحد قادتهم منصب من المناصب فيتوقف للحظة، بل يسارع إليها بكله وجماع طاقته، فتقوم هذه الحركة!! بتجميده وفصله، فلا يبالي لهم لسعاره بالمنصب، ثم بعد ذلك يعود إليهم حين تلتحق هذه الحركة كلها نحو المناصب ليعلن انتصاره في اختياره، ويقرون هم بخطئهم ضده حين جمدوه أو فصلوه، وتتكرر هذه الصورة على نفس النسق، مع زعمهم جميعاً أن عملهم واختياراتهم للإسلام لا لأشخاصهم، وبعضهم يصدق قليلاً فيقول:- إنما أريد مصلحة أهلي وعشيرتي.
إنه مما يدل على أن الأمة بمصلحيها ومفكريها لم يضعوا أنفسهم على جادة التغيير لإخراج الأمة من الإنحطاط والهزيمة إلى العزة والنصر أنك لا تجد إلا حديثاً خجلاً عن هاتين الصفتين الجليلتين- الجود والشجاعة-، وكل ما يدور يحوم حول السلوك الظاهر للعابد، أو حول قضايا تصورية دون البحث عن آثارها النفسية على الإنسان والمجتمع، وهذه القضايا في الحقيقة هي مقدار إدراك الإنسان في طفولته الأولى، ولذلك بقيت الأمة في هذه الحالة عاجزة تفحص مكانها كفحص الصبي عند أول تحرك ثناياه بإرادته الواعية أو بغير هذه الإرداة.
إن ارتباط فاعلية الإيمان بهذين الخلقين أمر لا انفكاك فيه، فيجب على المصلحين والدعاة إن أرادوا صادقين تغيير واقع هذه الأمة وتقدمها أن يدركوا معنى الإيمان الفاعل، وأن يبنوا له أرجل الحركة بالجود والشجاعة، وحينها سيدركون معنى ما تقوم به جماعات الجهاد من جهد واقعي في هذا الطريق الشاق الطويل، وسيدركون كذلك حقيقة غيرهم الذين طنوا طنون البدعة والخطأ.
﴿أشحة عليكم﴾
إن هذا شح خاص، أي على المجاهدين وأهلهم، وشح على المسلمين، إذ لا يمنع هذا الشح الخاص أن يكون أحدهم يبذل الأموال الجزيلة على شهوته وعلى أهله ومن يلوذ به، إذ ينفق الأموال الكثيرة على مسكنه وملبسه وأهله وطعامه وطعامهم، لكنه إن دعي إلى مكرمات للمجاهدين ولخير المسلمين ذهب يعد عليهم القليل إن فعل، وكيف يفعل ذلك وهو ينفر عنهم ويسعى جهده لصرف الناس عنهم ولصرفهم هم عن هذا الطريق، ولذلك فإن سمة الإنفاق المحتسب هو ما كان لله تعالى ورجاء الدار الآخرة لأن هناك من ينْفق ولا يرجو الدار الآخرة كما قال تعالى فيهم:- ((إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً، الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً، والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً، وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليماً ((.