نقاؤه ويؤول إلى الباطل إن صار إلى أوعية البخل والجبن، فهاتان الصفتان فرضان إلهيان هما وعاء الدين ولا يصلح إلا بهما، ولا تقوم معانيه في الوجود وتتحقق آثاره في النفوس وتكون له الفاعلية في الأرض إلا برجال يبذلون أموالهم وأرواحهم في سبيل الله تعالى، فبذل المال هو الكرم والجود وبذل الأرواح هو الشجاعة، والكرم هوعدة المؤمنين في داخل الصف، وهو ركن المجتمع في باطنه وبين أهله، والشجاعة هي عدة المؤمنين ضد الأعداء والمعاندين.
هاتان الصفتان دون غيرهما هما سمة العرب قبل الإسلام، هذا مع بيان ووضوح وإعراب دون رمز أو زمزمة، إذ لم يدخل الرمز في الشعر واللغة إلا من خلال بدعة التصوف، وأما قبل ذلك فلم يكن للرمز البياني وجود، وكان بدلاً منه ((المثل)) وهو مادة القرآن الكريم كما قال تعالى ((وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون)) وشرح ذلك يطول وليس هذا مكانه، ولكن "الرمز البياني" يضاد الشجاعة النفسية بوجه من الوجوه، لأنه في الأصل يتخذ مخافة الإعراب والإبانة، والعرب هم مادة الإعراب، واسمهم اشتق من هذا المصدر دون غيره، وكما قال بعض أهل العلم:- إن للأمم نصيب من أسمائهم، فالعرب من الإعراب، وهو الإيضاح والكشف، وهم كذلك فلا ينافقون ولا يختالون، هذا في عمومهم، إن فرحوا تبسموا وإن غضبوا أربدوا، وإن شعروا تكلموا وأفصحوا، وهي سمة خير العرب صلى الله عليه وسلم كما قال كعب بن مالك رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر وكنا نَعْرف ذلك منه" وكما قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه:- كان رسول الله أشد حياءً من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئاً عرفناه في وجه. وأما "الفرس" فاسمهم اشتق من "الفَرَس"، وهو سمة للخيلاء والفخر والغرور، وهي صفة قديمة فيهم، وأما "الروم" فمن "الرَّوْم" وهو من المخاتلة والإختلاس، وهذا مشهور فيهم إلى اليوم، فهم أهله ورجاله، بل إني لا أستبعد أن تكون ((الضحكة الصفراء)) قد اشتقت نسبة لبني الأصفر، لأنها شائعة فيهم، إذ تبتسم وجوههم وقلوبهم مبغضة.
أقول:- إن الكرم والشجاعة صفتان أصليتان في العرب، وهما من بقايا دين إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، ورثا عنهما، إذ علم منهما هاتان الصفتان واشتهرا بهما عليهما الصلاة والسلام، فتوارثهما العرب، ولذلك نزل هذا الدين الخاتم والرسالة المهداة فيهم دون غيرهم من الأمم، ومهما حاول بعض الباحثين والأذكياء في معرفة سر اختيار العرب دون غيرهم ليحملوا هذه الرسالة وليكون منهم خاتم الأنبياء فلن يجدوا أعمق من هاتين الصفتين فيهم، أي الجود والشجاعة.
إن هذا الدين لن يعطي ثماره ولن تكون فاعلية في البشرية إن كان أهله فاقدين لهاتين الصفتين، فالمفتي البخيل الجبان لن يخرج منه إلا فتوى الجبن والبخل، والأمة الجبانة البخيلة أمة ميتة خاملة ساكنة، مليئة بالأمراض الداخلية النفسية والإجتماعية، وعرضة للهوان والذل من الأعداء والخصوم، والفكر دوماً تبع النفوس وطنينها، كما أن النفوس ترقى بالأفكار العظيمة ومبادئ الإيمان الحق، ولذلك فشرط النهضة والوعي على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن تنهض إرادة الأمة وتستقيم نفسيتها بالبذل للمال بالجود والبذل للنفس بالشجاعة، وتحقيق ذلك من خلال تفعيل مفهوم الإيمان علماً وعملاً ومن خلال بيئته الوحيدة الصالحة لذلك وهو الجهاد في سبيل الله دون غيره.
إن الكرم والشجاعة يطفئان ويسدان كل منقبة أخرى، وبفقدهما تذهب كل الحسنات بلا معنى في هذه الحياة، وإني لأشهد الله أنه مما يشدني لهذا الطريق الذي سلكه المجاهدون في سبيل الله هو اختصاص أهله بالجود والشجاعة، فإن المرء قد يؤمن بهدي ما ولكن يرى أصحاب هذا الهدي على غير ما يحب من رفعة النفوس وشرفها فيعتزل طريقهم مع إقراره بما يدعون من هدى، ولكن مما يميز هذا الطريق، طريق المجاهدين في سبيل الله، أنهم أهل بذل وكرم، وأهل شجاعة وإقدام