إن ذكر كلمة ((الإخوان)) هنا لها دلالة في طريق خطاب هؤلاء المنافقين، إذ يتقربون إليهم بصيغ الخطاب المحبب والمقبول في قلوبهم، فيأتون على وجه النصيحة والرفق وحب الخير، لأن هذه هي صفة خطاب الأخ مع أخيه، وقد يحلفون لهم كما حلف الشيطان كما قال تعالى ((وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين))، فخطابهم على هذا النحو يلقى القبول لما فيه من ظاهر العاطفة الأصلية بين الإخوان، وهذا شديد إن أتى على هذا الوجه، خاصة إذا جاء ممن له مقام احترام وتقدير في نفس السامع، ولا يقف له إلا من صدق الله وباع نفسه له وتيقن في صدق هذا السبيل بصحة دليله وقوته، ثم قولهم- هلم إلينا- إشارة إلى أنهم يوسعون لهم مجالسهم، ويبسطون لهم صدورهم، ويبذلون لهم الوعود بالحماية إن تركوا الجهاد وغلب الأعداء، وبالمال والمنصب، مع ما في هذا اللفظ من إشارة إلى قاعدة: ودت الزانية أن كل النساء يزنين- فهم يريدونهم مثلهم وتحت أيديهم وتبعاً لهم.
إن قوله تعالى ((ومنكم)) فيها خطورة هؤلاء القوم، وقسوة فعالهم ضد المجاهدين، لأنهم إن لم يكونوا معهم في المكان أظهروا أنهم ((منكم))؛ يريدون نصحكم ويبتغون مصلحتكم، وهم يعيشون خلالكم كما يعيش الشيطان في مجرى الدم في العروق، ولذلك هم وهن داخلي، وهو أشد وأقسى من أعداء الخارج، لأن الناس لا يؤتون إلا من داخلهم، ولا يصيب الأعداء من هذه الأمة إلا بسبب هؤلاء الذين هم منا، فهؤلاء"معوقون منا"، وهو وصف يلقي تنبيهاً أن العجلة التي تدور بمشقة وجهد إنما يعود لحبالها أو عصيها، إذ بدل أن يكون مقوياً باعثاً على النشاط يكون معوقاً مفسداً مانعاً للحركة، فلو ترك الناس لحالهم لانبعثوا بفطرهم السليمة ودينهم القويم، ولكن تجد المنبعثين يجدون المشقة وهم يلاقون التعويق من هؤلاء،
إضاءة:- اختلف أهل التفسير في سبب دخول "قد" على الفعل المضارع ههنا، إذ لم يقصد منه التشكيل كما هي القاعدة، فقال بعضهم:- إنما يقصد من هذه الصيغة التقليل، أي تقليل المعلوم، وقال آخرون: إنما قصد منه المبالغة في العلم، وهذا الأقرب لقوله تعالى ((قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم)) كما في سورة النور فههنا لا يمكن تصور التقليل في شيء مما ذكر.
﴿أشحة عليكم﴾
هذا أول وصف خُلُقي لهم وهو البخل، وهذه سمة عامة في المنافقين، فإن النفاق قرين هذه الصفة الخبيثة، فهي صفتهم في سورة "براءة" وهي صفتهم في سورة المنافقون، فاقتران عدم الإنفاق بالنفاق سمة ظاهرة بينة، لأن أساس النفاق هو ضعف النفس أمام رغباتها، وعدم ثقتها بوعد الله، ولا يقينها على الأجر الآخروي، فالبذل والعطاء قهر لشهوة النفس ومبناه على الثقة بوعد الله واليقين على الآخرة، ولذلك كانت الزكاة فرضاً إيمانياً لا يمنعها إلا كافر بالله تعالى كما قال سبحانه وتعالى في سورة فصلت ((فويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون))، وتكفير تارك الزكاة مذهب ابن مسعود رضي الله عنه وجماعة من أهل العلم كالحميدي رحمه الله وهو أحد الأقوال في مذهب أحمد، وهو الأقوى لأن الله جعل أداء الزكاة شرطاً لترك قتال الكافرين فقال سبحانه في سورة براءة ((فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم))، وجعلها كذلك شرطاً لدخول الكافر في سمة الإيمان وأخوته كما في نفس السورة:- ((فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون)).
إن هذا الدين عظيم وهو كالماء الصافي الزلال لكن لا يصلح إلا في أوعية قوية سليمة نقية، فالقلوب لا تكون كذلك إلا بصفتين ذكرتا في هذه الآية العظيمة، أولاهما الكرم وثانيهما الشجاعة كما سيأتي، ولذلك فإن هذا الدين تحوّر معانيه ويفسد