تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن هؤلاء المنافقين زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفهم القرآن بقوله ((ولا يأتون البأس إلا قليلاً))، فبعضهم كان له مشهد ثم انقلب على عقبه، وبعضهم شهد بعض المواقع ثم رحل عنها ينفر عنها، ويسب أهلها وينشر عورات المجاهدين فيها، وبهذه اللحظات التي عاشوها في الجهاد اتخذت عندهم دليل على أنهم أهل سابقة، وأنهم رجال جهاد، ولكنهم خبروا الطريق فلم يجدوا فيه خيراً ولا أصابوا من ورائه مصلحة للإسلام وأهله.

هؤلاء: منْهم من جمعته الطريق في أرض جهاد ومع المجاهدين، ووقع عليه البلاء بسجن أو هجرة، فذهب يسب الجهاد والمجاهدين أنهم سبب البلاء الذي لقيه، ولكنه يستر هذا المرض من الخور حين يجعل مصلحة الإسلام هي المقصود لا مصلحته، وأن الضرر يعود عليها لا عليه.

إن هذا القليل الذي وقع منهم جهاداً في سبيل الله لا يجوز أن يتخذ حجة لتنفير الناس عن الجهاد، فالحق ليس لباساً يرتديه المرء يوماً فيكون كاسمه لا ينفك عنه، بل إن الرجل يصبح مؤمناً ويمسي كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا، وكذا المجاهد تضعف إرادته فإن تزينت له الدنيا ذهب إليها، وهي حالة تكون في كل الأزمنة، لأن الإنسان هو الإنسان، وفي زماننا هناك من جاهد وكان له سابقة ورفع الله شأنه بهذا الطريق ثم قصرت همته وانماثت إرادته في فتنة المال والمنصب وحب السلامة فانقلب على عقبه، وصار يطلق لسانه في الشر أكثر من غيره، ذلك لأنه يعرف أكثر من غيره عن عورات المسلمين وواقعهم.

لقد سقط هؤلاء إذ أعماهم الحسد أن رفع الله غيرهم بالجهاد حين ذهبوا هم إلى غيره ليجلسوا مجلس الواعظين الحكماء، وليشتروا بتاريخهم السابق دنيا يطيرون إليها، ولعاعة منها يتشاجرون حولها، فإذا فتح لأحدهم باب كلام في الوارثين أطلق لسانه السرطاني يجول في الأعراض ويسابق الكفار في السب والشتم، واتخذ معرفته بالمجاهدين وأشخاصهم تقية لقيء لسانه وبشم بطنه وفؤاده، فيالله كم أضاعوا من دينهم وكم فقدوا من أجورهم وأعمالهم، وكم صاروا أداة للطواغيت والجاهلية.

هؤلاء- يقيناً- لا يضرون المجاهدين بل إن وجودهم علامة صحة هذا الطريق، لأن المجاهدين والغرباء يرونهم آية من آيات الله، إذ يرون إكرام الله لهم ورفعته لمقاماتهم بسبب الجهاد، فهذا رصيدهم، ويرون كذلك كيف صاروا ذباب موائد وتجار أكاذيب لما عادوا المجاهدين، إذ لا يحفل بهم إلا الزنادقة ولا يبتسم في وجوههم إلا عدو للإسلام وأهله، ولا يبذل لهم العطايا إلا كل حاقد على دين الله تعالى، فسقطوا من عين الله لما يرون من سقوطهم من أعين أهل الديانة والتقوى، فهل هناك آية أعظم من هذه الآية أن طريق الجهاد محبوب عند الله، وأهله هم أحباب الله وأولياؤه الذين يحبهم أهل الإسلام ويدعون لهم.

إن وجودهم دليل صحة هذا الطريق حين يسقط هؤلاء أمام الإغراء الشهواني، فهم لا ينقلبون من جهاد إلى علم أو عمل ديني يحبه الله تعالى، بل ينقلبون من جهاد إلى سقوط أخلاقي ورذالة ممارسات وسعار يأكل قلوبهم في حب الدنيا.

هل رأيت في هؤلاء قط من صار بعد الجهاد إلى باب من أبواب الخيْر العظيمة حتى تحمد فعله وتعلم أنّه ازداد هداية فوق الهداية التي كان عليها؟.

سيقولون كنّا وفعلنا ورأينا لكن أين هم الآن وما هي مقاماتهم في طاعة الله وقد تركوا ما كانوا عليه؟.

﴿والقائلين لإخوانهم﴾

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٣٣