لقد صدمت، لقد كان حديثهم عن مذاق السمك الرائع الذي قدم لهم على موائد اليوم السابق.
قال محدثي (وهو غير الأول بل هو أستاذ جامعي كان مدرساً لي في مرحلة الماجستير): دعينا إلى بلد عربي لنلقي فيها محاضرات إسلامية ورافقني فيها مفتي البلد (وكان وزير أوقاف مرات عدة وعيّن وقتاً قاضي لقضاة هذا البلد)، قال:- سرنا راكبين من صلاة العصر قبل المغرب ثم دخل بنا وقت المغرب والعشاء وكاد الفجر ينشق وأنا أطلب منه أن يصلي هذه الصلوات وهو يشير بيده نافضاً إياها لأبتعد وأسكت، ومضت الأوقات وهو جالس لا يصلي.
قال محدثي (وهو والدي) قلت لأحدهم: عجبت لك تترك منصب المفتي العام مع كرامته لتدخل عضواً في مجلس الشورى كرجل بين آخرين لا تحل ولا تربط، فقال المفتي: يا أبا علي إنها خمسمئة دينار في الشهر (وكان يومها مبلغ كبير) وراتب تقاعدي مدى الحياة، ثم قال بلغته: (بلا مفتي بلا هم).
وإني سأضغط على القلم لئلا يسترسل في أمثال هؤلاء الذين يراد للأمة أن تطيعهم، ويريدون من المجاهدين أن يتخذوهم موقعين عن رب العالمين، ويعلق مصير الأمة بفتاواهم وآرائهم.
قد يقول قائل: هؤلاء شذاذ، وأما الأكثرون فعلى غير هذا الغرز، فنقول لهم:- بالله عليكم دلونا على رجل ثقة في دينه، راسخ في علمه، زاهد في الدنيا، باذل نفسه لله، لا يرائي ولا يداجي، يقول كلمة الحق ولا يهاب فيها أحداً من الخلق، لا حاكماً ولا محكوماً، يرى الناس فيه البذل والشجاعة والدين والتقوى، لا يشتري بدينه عرضاً من الدنيا ثم هو يخالف المجاهدين والغرباء، ويعوّق الذاهبين إليهم، وينادي المقيمين عندهم أن ارجعوا.
إنكم تعلمون والله يعلم قبلنا وقبلكم أن هؤلاء المعوقين ليس فيهم أحد غير موظف عند طاغوت، أو غير راغب بدنيا، أو غير خائف من بطش سلطان، فإذ اجتمع هؤلاء في لقاء أو مؤتمر يدعو إليه من يريد حفظ سلطانه فيموله ويغدق المنح قالوا: أجمع العلماء.
رحم الله مالكاً وأبا حنيفة والشافعي وأحمد، إذ ليس هناك من أحد منهم إلا وقيّد وجلد وحبس وعذّب في ذات الله تعالى وهم يعيشون في دولة الإسلام وظل حكمها وجنودها.
هاتوا لنا عالماً له مقام في الفتوى ونوازل عصره لم يصبه الأذى ولم يقع عليه البلاء، ثم قارنوا الماضين بالحالين ممن يتصدر للفتوى والنوازل والحوادث، فمال الذاهبين يبتلون والمقيمين ينعمون ويسبغ عليهم الأموال والعطايا والمنح؟!
سيقول البعض: وهل صار السجن والعذاب معياراً للحق عندك لتقول هذا الكلام؟، ويرد عليهم:- من آثارهم تعرفونهم، ومن كلام الله تعالى نعرف سمة الحق وأنه مبتلى، ومن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم نعلم أن الإبتلاء صنو الأنبياء وأتباعهم، ومن حكمة الشافعي نعلم أن الرجل لا يمكن حتى يبتلى، فهل أخطأنا الطريق حين علمنا أن هذه الجموع التي عوّقت الذاهبين للجهاد في سبيل الله ضد الطواغيت، وضد الكفر الأصلي الغازي في المشرق والمغرب، والمنادين على أهل الثغور أن تعالوا إلينا إلى البيوت والأهل والسلامة أنهم منافقون؟!
إن بيننا وبينكم كتاب الله تعالى، هو الحكيم لمعرفة واقعنا ورجاله، وهو الفصل في الخصومة بيننا وبين من بغى على المجاهدين وسبهم ونفّر منهم واستهزأ بهم ورماهم بالأكاذيب والبهتان.
هذه صورتكم في كتاب الله، وهذا مقامكم فيه، وهؤلاء هم أشباهكم زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولن تنفعكم كل العناوين التي تتخفون وراءها، وسيكتب التاريخ عنكم كما كتب عن أمثالكم الذين صنَعوا صنائعكم.