هؤلاء يظن أحدهم بكتابة مقال في جريدة يغير التاريخ، وليته مقال حق بل يبدؤه بقوله: كنت يوماً ... ، ويختمها بقوله: ولقد قلت هذا الذي وقع ... ، ولقد نصحت قبل سنين طويلة ... ، فكلامه على قاعدة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد رأى رجلاً يحدث الناس ويعظهم فسأله مسائل في العلم فلم يجب، فقال له: ما اسمك؟ قال: أبو فلان، فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه: بل أنت أبو اعرفوني، ولو سألت أمثال هؤلاء: هل تقرأ كتاب الله؟ وفي كم تقرؤه وتختمه لعلمت مقدار صلته بحبل الهداية الإلهية لهذه الأمة، بل لو سألته ماذا يقرأ من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لرأيت أنه لم يتم قراءة رياض الصالحين، وهو يزعم أنه مفكر إسلامي وقادر أن يخوض في أعظم مسائل الأمة وهي مسألة احيائها.
أحباء هؤلاء وخدمهم من لا يذكر الله إلا قليلاً، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، وأما صفتهم هنا في هذه الآية: "ولا يأتون البأس إلا قليلاً" فماذا يرجا من هؤلاء؟ وماذا يمكن لهم أن يقولوا إذا رأوا الجهاد في سبيل الله تعالى، وهم لا يرون فيه إلا الموت والبلاء وقتال الناس على أساس الدين وخلافهم في الله تعالى وأحكامه وشرعه؟!
وهؤلاء هم خدم الجاهلية، فإن جنود الجاهلية يقاتلون المجاهدين بأسلحتهم وهؤلاء يخدمونها بكلماتهم وتحليلاتهم الباطلة، ويقيسون الأمور حسناً وقبحاً بقياس أهل الجاهلية من منافع دنيوية ومتع وشهوات، فلا حق الله وإلهيته تعنيهم في شيء، ولا قيم الآخرة حاضرة في قلوبهم، بل يخجل أحدهم- لأنه السياسي العميق المفكر اللوذعي- أن يذكر القبر والجنة والنار في حديثه حين يقيم فعلاً أو حدثاً، فما أدري ما هو الإسلام عند هؤلاء من غير تأليه الله تعالى ووحدانيته ومن غير معيار الدار الآخرة؟! فإن أي إسلام من غير هذين الأمرين هو إسلام لا صلة له بالكتاب الكريم ولا بالسنة النبوية الشريفة، ذلك بأن أول القضايا التي علمها الله لموسى لما أوحى إليه أن قال له:- ((إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري، إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى، فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى)) فهذه دعوة الأنبياء وأتباع الأنبياء وكل ما وراء ذلك تبع له، وكل أمر ظنه الناس إحساناً من دون ذلك هو الفساد بعينه، بل إن الله يبتلي عباده بالنعيم وضده من أجل اختبار إيمانهم بالآخرة كما قال تعالى في سورة سبأ بعد أن ذكر أمر قرى سبأ الكافرة:- ((ولقد صدق عليهم أبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين، وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ))
فهذا هو أمر الدين الحق وما سواه لغط كلام وتلعب أبالسة بدين الله تعالى ليصرفوه عن حقيقته، فإن أرادوا صلاحاً للعالم وإزالة للفراعنة فإن الطريق هو إيمان من يقود هذا العالم من يؤمن بالآخرة، إذ الفساد كل الفساد سببه الكفر بيوم القيامة كما قال موسى عليه السلام وهو يرى فساد فرعون وطغيانه كما في غافر:- ((وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب))، ولأني أعلم أن أمثال هؤلاء"المفكرين" لا يرون كتاب الله تعالى كما ينبغي أن يكون في قلوب المصلحين وقادة الحضارات وبناة الأمم، لأنهم يرونه مجرد كتاب"دين" بفهم مغلوط قاصر في معنى الدين، فإني أنبه هؤلاء إلى ما قاله المفكر الروسي المنشق ((سوردكين)) وهو باحث لا شهرة له لأنه خارج السياق المفسد لقيم الإنسان، ومتوفي في عام (1968) في أمريكا، إذ كتب بحثاً اتخذته الباحثة ((آني جلين جونز)) معياراً لدراسة شاملة للثقافة الغربية من فنون كثيرة أهمها القصة والمسرح وسمت كتابها- رفع المرآة- كيف تهبط الحضارات- (ولم يترجم)، خلص "سوردكين" إلى قاعدة صائبة وهي أن الحضارات يبدأ شبابها وامتدادها حين يكون لها تعلق بالغيب، ويكون كل انتاجها مبنياً على هذا الإيمان الغيبي، ثم تبدأ كهولتها حين تنزل ثقافتها وانتاجها إلى الرؤى الإنسانية الخاصة بعيداً عن