تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجهاد هو الحل الوحيد لصراع الهويات والأمم، وحين تتخلى أمة من الأمم عن الجهاد يعني أنها قبلت محو الهوية ورضيت أن تعيش بلا إطار مميز ولا كيان مستقل ولا هوية ممكنة جامعة.

لقد تناظر الناس كثيراً حول قضايا فرعية، ولكن الكثير منهم غفلوا عن أسباب نشوء هذه المسائل الفرعية، وسبب هذه الغفلة هو إطار هذه المسائل، فهناك مفكرون ومفتون وقادة قبلوا العيش في الدون، ورضوا الإسلام مكوناً لا وارثاً، وهناك مجاهدون وغرباء علموا من دين الله أنه يعلو ولا يعلى عليه، ويرث الآخر ولا يقبل الدنية ولا الخنوع، فافترق الناس إلى فرقتين، هكذا هي المسألة دون زخرفة.

المجاهدون والغرباء طريقهم أشق وأصعب، لأنهم غرباء، والغربة أقسى ما يلاقيه الحكماء والعقلاء في تاريخ البشرية، وهي طريق الأنبياء لكنها طريق الوراثة، وهي طريق الرجال وأشباه الجبال، أمنية أحدهم الموت فعلاً في سبيل الله:-

كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا

لا يفرغ أحدهم من نزال إلا إلى آخر، وقد يموت أحدهم ودرعه مرهونة عند يهودي على صاع من شعير، ولعل آخر غزوة يغزوها أحدهم تكون غزوة العسرة حيث لا طعام ولا رحال للمقاتلين ومع ذلك يقذفهم قائدهم إلى أقاصي البلاد حيث لا مانع لهم هناك من أهل أو إخوان أو أقارب، ويكون بينهم المنافقون لم يزالوا على ما هم فيه من الشر وضعف القلوب وقلة اليقين.

هذا هو حال هذا الطريق وهو حال رجاله ليس لهم وعد بالراحة هنا إنما لهم وعد وحيد: الجنة.

﴿قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلمّ إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلاً، أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيراً، يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلاً﴾

هذا قسم آخر من المنافقين في غزوة الأحزاب، إذ فرقة منهم شككت بوعد الله تعالى بالنصر والغلبة، وفرقة شهدت الخندق ثم ضَعفوا وجبنوا وطلبوا الهروب من المواجهة، وهذه فرقة أخرى قعدت بعيداً عن هذا وجلست تعوّق الذاهبين للجهاد، وتنادي المقيمين فيه ليلحقوا بهم إلى بيوتهم تاركين رسول الله وأصحابه في رباطهم وجهادهم.

هم قطاع الطريق إلى الله، وقطاع الطريق على المجاهدين، يعوِّقون الذاهبين وينادون المقيمين، وهذه سمة الشيطان، فإنه لم يقبل أن يضل وحده ويكفر وحده ويفسد وحده، بل ذهب ليضلّ الناس ويفسد الآخرين، وهي سمة كل فاسد، فإنه يكره أن يرى ضعفه أمام الآخرين، فهم المرآة التي يبصر فيها خسة نفسه وقذارة صورته وقبح مواقفه، فلكي يبطل هذا الألم وهذا الصغار الذي يستشعره أمام الصالحين فإنه يعمل عمله في إلحاقهم إلى ركابه، وأخذهم معه، وهذا هو التفسير الحقيقي لواقع الجالسين عن الجهاد من مفتين ومفكرين وقادة حركات، فهم يرون أنفسهم صغاراً أمام شباب باعوا أنفسهم لله، فرفعهم الله تعالى وجعلهم أئمة هداة، وأما هم ففي خمول، وإن ظهر أحدهم للناس وأخرج قيئه لعنوه وسبوه، ولم يجد حوله إلا منافق وأخو منافق، يرهب أحدهم الموت ويرتجف أمام السجن ويؤجر نفسه لكل مالك، فبدل أن يهتدي ويدرك حكمة الله وعدله فيما يجري يذهب حسداً وحقداً إلى سب الجهاد والتنفير منه ومنع الذاهبين إليه وتحقير المقيمين فيه.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٢٩