اليوم بالحركات الإسلامية!! صورتها أنها تطلب رضا الجاهلية عنهم، وتقف أمام عتباتها السنين الطويلة لتقبل بهم، وفي كل طلب لهم يقدمون تنازلاً جديداً يزعمون أنه اجتهاد جديد، وبعضهم لما جاء الكفر الأصلي وأفسد العباد والبلاد دخلوا في طاعته، وركضوا لبلاطه وموائده، فأين صورة هؤلاء في كتاب الله؟
هذا سؤال يُترك لمن آمن وتيقن أن هذه الأمة لا تخرج من الذلة إلى العزة ومن الهزيمة إلى النصر إلا بالعودة لكتاب الله، فندخل في صورة أتباع الأنبياء وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونتجنب جهدنا أن نشابه المنافقين ومرضى النفوس، وهكذا يكون إحياء وتجديد الدين حين يفعَّل كتاب الله عملاً وعلماً ليستوعب الأحداث المعاصرة وشخوص هذه الأحداث، فيحمل الزمن المعاصر على قوالب السابقين فيعرف الناس منازل القوم وأحكامهم ومصائرهم.
إن فرق اليوم ليست فرق أقوام يختلفون على مسائل تصورية عقائدية، هذا مع وجودها في داخل الصف المسلم، لكن محنة الإسلام اليوم تتعلق بأصل الدين ووجود الأمة وهويتها، فهي مستهدفة في مكونها الحقيقي وهو كتاب الله تعالى، لأنه هو وحده مع السنة النبوية في كونها راوية لسلوك النبي صلى الله عليه وسلم ومواقفه من الآخر من يحمي هوية الأمة وصورتها الربانية في كونها خير أمة أخرجت للناس.
فتغيير هذا المكون يبطل فاعلية هذه الأمة ويحيلها إلى مجرد خيال ظل لا قيمة له.
إن التجديد يعني وضع المرايا القرآنية عند كل منعطف وعند كل زاوية، مع وضوح هذه المرايا بكل أبعادها وخطوطها ليعرف الناس واقعهم من خلال هذه المرايا القرآنية، فلا يلتبس عليهم حدث، ولا يخدعهم رجال ضلالة، فهذا هو التجديد العلمي أولاً، ومن خلال هذا التجديد العلمي يقع تفعيل الإرادات المسلمة في بعث روح النبوة التي ملأت هذا الكتاب الكريم في نفوس هذه الأمة شباباً وعلماءً ونساءً حتى يتواصل الحديث بالقديم وتتصل سلاسل الهدى في جهادنا ومضادتها ضد الباطل وملأه، وضد الشيطان وجنده.
حين تهدّم حصون الأمة من الداخل كما يقول الأستاذ محمد حسين رحمه الله، وحين يصل النخر إلى هوية الأمة، وحين تحمل هذه الأمة من عقيدة الوراثة في الأرض إلى مجرد خيط مكوّن داخل النسيج الجاهلي يكون الصراع قد بلغ مداه، فإما نكون أو لا نكون.
إن مشكلتنا الأكبر اليوم وصراعنا الأعظم يدور حول هذه الأرض قبل كل شيء، وهي أساس الخلاف بين ما يطرحه أهل الجهاد اليوم من مطاردين وأهل ثغور ومقيدي سجون وغرباء وبين غيرهم من آلاف المفتين والقضاة وحركات إسلامية سياسية ودعوية وإصلاحية يعالجون مشاكل داخل هذا النسيج الجاهلي، فهم يريدون أشخاصاً مسلمين ومؤسسات وحركات إسلامية تعيش في ظل هذا الإطار وتصلح ما يعطب فيه، وأما غيرهم من الداخلين في الصورة الأخرى، وهي صورة النبوة وأتباعها فهم يصبون جهدهم ويوجهون سهامهم نحو هذا الإطار نفسه ليحطموه، وليرثوا الإمامة في الأرض، وهم يعلمون أن هذا هو صراع الهوية وهو صراع الأمم، والذي لا أداة فيه إلا الجهاد كما يشهد لذلك التاريخ والقرآن، وهم يعلمون كذلك أنه يمكن أن ينشأ المسلم العابد والمؤسسات الجيدة داخل إطار الجاهلية حين تختار السلامة مع الإطار الجاهلي، وكذلك أنه يمكن أن ينشأ قدراً المسلم الفاسق والمبتدع داخل الإطار المسلم والهوية الإسلامية والأمة المسلمة، بل وتقبل الكافر مستأمناً ولا يضام.