تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سعادة قلبه خير من مذاق لسانه بالطعام، وفرج قلبه خير من ابتسام الثياب على جسمه، وعزة نفس المؤمن خير من افتخار الأغنياء بأموالهم وسلطانهم، وأما غيرهم فمعيشتهم الضنك لقوله تعالى ((ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى)) ووالله لقد رأينا هؤلاء الذين يحسبهم الناس أسعد الناس وبسبب مالهم أو سلطانهم فما رأينا الواحد منهم له سعادة مع زوجة ولا مع ولد ولا مع مطعم ولا ملبس، وما يرى الناس إلا الصور التي يحضّر لها للحظات، فإن زالت آب أحدهم إلى وحدته وشقائه، فيركضون إلى المخدرات والخمر، وإلى البؤس والشقاء، والوحدة والفراغ، يعجز أحدهم أن يجد زوجة يأتمنها على عرضه وماله، أو ولد يرث عنه ماله وتلاده، فوالله إن حياتهم الشقاء، ولو فهم أهل الكفاف ما هم فيه من النعيم لحمدوا الله أن جنبهم حياة هؤلاء، ولما برحوا مكانهم الذي هم فيه من الراحة واطمئنان البال، لكن النفس البشرية جاهلة ظلومة، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً.

إن العذاب الذي تحياه الأمة بترك الجهاد أضعاف ما تقدمه بسبب الجهاد من الجَهْد والمشقة، هذا مع ما في مشقة الجهاد من سعادة قلبية يعرفها أهل هذا الطريق، وكفى بهم سعادة أنهم حين يستشهدون يتمنون الرجوع إلى الدنيا ليقاتلوا فيقتلوا مرة بعد مرة.

إنكم إن قمتم للجهاد كان الله مولاكم، وكان هو ناصركم، وأما إن تركتم الجهاد فلا مولى لكم ولا ناصر، وكل ما تظنون من غير الله يحميكم وينصركم فهو باطل في باطل، قال تعالى: ((يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب)) ويقول سبحانه: ((مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون))، فهؤلاء الآلهة الباطلة سيصرخون حين يأتي عذاب الله كما صرخ الشيطان من قبل: "إني كفرت بما أشركتمون من قبل"، وصورة تخلي الأولياء عن عبيدهم صورة متكررة في القرآن مثل قوله تعالى: ((إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا)) وقوله تعالى: ((فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله أولياء وذلك إفكهم وما كانوا يفترون)) والحق أن هذه المسألة لترددها في القرآن تحتاج إلى مؤلف مستقل.

لقد رأى أهل التاريخ أن طواغيت البشر والجن لا ينصرون عبيدهم وقت المحن والكروب كما قال تعالى: ((ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلين، وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداءً وكانوا بعبادتهم كافرين)) فهم يتخلون عنهم في الدنيا ويوم القيامة كذلك.

إن أودية الباطل التي يستدفئون بها إلى حين سرعان ما ستذهب عنهم، وسيتعرون عنها، وقد رأينا في زماننا الكثير من هؤلاء الطواغيت يكون في الملك والسلطان، متوكلاً على غير الله، مستنداً إلى جنده وجند غيره فما أن تأتي رياح القدر حتى لا يجد أحدهم مأوى يأوي إليه، أو بيت خص يحميه، وإن مات فأفقر العباد أكرم منه مستقراً.

كفى بأهل الجهاد أنهم يثقون بوعد الله، ويعلقون عواقب أفعالهم بولاية الله ونصره، فنظرهم إلى رضى الرب عنهم دائماً، فإن جاءت القروح رأوها ابتلاءً وامتحاناً، وإن جاء نصر الله رأوها نعمة توجب شكراً وحمداً، فهم على ذلك حتى تأتيهم الشهادة، أما غيرهم فهم يبذلون ماء المحيا ليرضى عنهم الطاغوت، ويقبل بهم في نسيجه ودينه، وهم في تنازل عن الدين الذي لا يرضاه حتى ينصرهم نصر البقاء فقط.

ثم كذلك ها هنا صورتان، صورة المجاهدين كما يعرضها القرآن، عملوا وهم موقنون بوعده، وتسابقوا إلى هذه الوعود وهم يتوكلون على الله، ويستنصرون به وحده دون غيره من العبيد والخلق، فيقتلون ويقتلون، وصورة أخرى يسمونها

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٢٧