لعلاقة الخنوع بين الحاكم الكافر والشعب المهان، فباسم الدين صار المجاهدون أعداء الإنسانية جميعاً، وباسم الدين صار الجثي على أربع صلاحاً وتقوى.
ليجلس هؤلاء الفارون هناك، حيث قصور المنعمين، وحيث حروب الكلمات الجميلة، وصراع البسمات بين المتحاورين، وليبق المجاهدون في أربطتهم وثغورهم وصفوفهم، ولنرى بعد ذلك من يدفع أكثر، ومن أتقى وأعبد؛ الذي يدفع دمه وروحه ثمناً لحفاظ دينه، أم الذي يدفع دينه ثمناً لحفاظ حياته.
أما حديث بعد الموت فله مكان آخر.
نعم إن المقيم في بيته منعّم، وإن المقيم في الثغور والسجون مبتلى، لكنها أيام وسيموت الجميع، والأمس قد ذهب، فمن أقام ليله وصام نهاره فقد ذهب عنه، ومن أقامه في الثغور فقد ذهب عنه، ومن نامه في أحضان نعيمه فقد ذهب عنه، ولكن القضية في غد.
هذه الدنيا كلها ((أمس)) وأما "غد" فهو بعد الموت، والعاقل لا يعدّ النعيم ما كان في "أمسه"، بل النعيم الحقيقي ما كان في "غده"، ألا ترى أن المرء يتعب في الأرض اليوم ليأكل منها غداً، ويرحل اليوم ليرتاح غداً.
إنها أيام "أمس" الذاهبة وغداً يقيل المتعبون ويحطون رحالهم في جوار الرحمن في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
لم يفهم شيء –والله-، فما هي إلا لقيمات طعام مرت لذيذة للحظة يسيرة على الفم ثم صارت برازاً، وخيوط ناعمة مرت على الأبدان ثم خلقت وبالت، وثواني لامست أجسادهم أجساد النساء ثم أعقبها تعب وارتخاء.
لم يفتكم شيء أيها الرجال، فإنكم خلال أكلهم وجلوسهم وفسادهم كنتم ترون رحمات الإله، وعطايا السماء، والرؤى المبشرات، والمسك الفواح من أبدان الأقران، والبسمات على شفاه المقيلين في عالم الغيب.
لقد أكرمكم الله بأنكم أغظتم الشيطان وجنده، فهم يصرخون مع ضعفكم، ويتألمون من صمودكم وثباتكم، وتضيق عليهم حياتهم ومناكم لأنكم تعملون خارج النص الذي رسموه لعبادهم ومأجوريهم.
﴿وإذاً لا تمتعون إلا قليلاً﴾
إنه متاع السراب الخادع، إذ يفرح لأرقام يهداها كما يفرح الطفل الغرير بصور الأشياء من التماثيل والدمى، وكما تفرح الدابة لضمة علف تلقى بين يديها، فهذا مبلغ ما تمتعون به فهنيئاً لكم قليلاً، لكن القاصمة بعد:-
﴿قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة ولا يجدون ولياً ولا نصيراً﴾
هذه حجة الحق سبحانه وتعالى في الهاربين من الجهاد مخافة الضرر والأذى لجهلهم بقدر الله تعالى وقضائه، وجهلهم في عدله وحكمه، وجهلهم في رضاه وغضبه، إذ يظنون أن الضرر له باب واحد هو ما يهربون منه، وأن باب الهرب هو باب النجاة والسلامة.
إن أقدار الله تعالى بهم محيطة، والهاربون من الجهاد لن يطول هربهم إلى النعيم، بل هناك ما هو أسوأ من الضرر الحاصل بسبب الجهاد، فأين هم من عذاب الله الدنيوي بمخالفة أمره وترك الجهاد في سبيل الله، وأين هم من إذلال الكافرين لهم حين يغلبون عليهم؟!
لقد أمر الله بأوامر وتكفل لمن أطاعه أن يكون حسبه، وأن يكفيه الشرور والعذاب، وأن لا يقع عليه بلاء إلا وكانت عاقبة البلاء خيراً له، فإن قضى نحبه فهو في السعادة الأبدية والجنان الخالدة، وإن بقي عاش عزيزاً مطمئن القلب بذكر الله وراحة البال.