تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يكن ليصيبه، وكل حجج المعرضين عن الجهاد وإن بدت تقوم على المصلحة والعقلانية هي هواء، ومبناها على حب البقاء، وها نحن نرى في كل المواطن القرآنية في حديثها عن الجهاد إنما تسير في اتجاه واحد ضد معارضيه، هذا الإتجاه يقف أمام نفسية المخالفين بحبهم الحياة وطول البقاء والخلود، وخوفهم من الموت ولقاء الله تعالى.

إنهم يحذرون من أفعال المجاهدين أنها تجر الموت للنفوس، والخراب للإقتصاد، والحصار للديار، وما علموا أن الفرار من الجهاد لا يحقق لهم الأمان ولا يأتيهم بالرغد، فإنهم وإن فعلوا ذلك وركنوا إلى عمارات الديار وتكثير الخيرات والأموال فإنما خرابها آت، فلما ورث الصحابة أرض اليهود حول المدينة، وحازوا أموالهم وحدائقهم وبيوتهم، وكل هذا بالجهاد في سبيل الله تعالى، ولما تركت الأمة الجهاد في بعض البقاع حدث العكس من ذلك، إذ ورث اليهود ديار المسلمين في فلسطين، وسكنوا حدائقهم وبيوتهم وديارهم، بل إن بعض بلاد المسلمين قد حازتها طوائف كانت خسيسة المقام، ذليلة الحال، فهذه بلاد الشام يعبث فيها النصيريون، ويسلبون أموال الناس وبيوتهم، ومع أن هذه الطائفة كانت من الخسّة بمكان حتى إنهم كانوا يبيعون بناتهم لغيرهم من حقارتهم وهوانهم، فكم تمتع المسلمون بمتع الحياة حين تركوا الجهاد في سبيل الله تعالى؟

﴿قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذاً لا تمتعون إلا قليلاً﴾

لقد تمتع من تمتع في هذا القليل ثم ذهب الجميع موتى، ولكن كانت العواقب الفاجعة إذ صارت أمة الإسلام كالقصعة بين يدي اللئام الجياع، ينتهبها كل أحد، حصونها متهاوية يلج فيها كل طامع، ويلغ فيها كل جائع، ويحويها كل وضيع لكيع، وهي بأعدادها الكثيرة غثاء كغثاء السيل لا تصد ولا ترد ولا تدافع، والعلة الوحيدة أن الأمة ماتت فيها آيات القرآن التي تستنفر الصم، وتهيج النفوس نحو المعالي والقمم، فإن قام قائم يدعوهم ويؤذن فيهم ويستصرخهم سبّوه ولعنوه لأنه أوقظهم من سباتهم.

لقد تهودّت قيم الأمة العظيمة فصرنا نحن أحرص الناس على حياة، إذ رضي مفتونا ومشايخنا فقه حياة الهوان، وجعلوها شرعة للناس، وقذفوا كل منكر لها بالضلال والإفساد في الأرض، فصار منكر الهوان ورافض الذلة والمسكنة في فقه هؤلاء مريض مفسد خارجي، فيا لهذه الأمة كم تعاني من هؤلاء وكم هي عظيمة بلواها بهم.

هل المجاهدين بحق يفسدون متع الناس، وهم يقبلون هذه التهمة برضى وفرح وحبور، لأنها تهمة يطلقها المنافقون والمرضى ضد الرجال الأوفياء لدينهم، وضد القلوب التي تعلقت بحب الله والدار الآخرة، ولكن ليقبل هؤلاء المعارضون للمجاهدين في سبيل الله أنهم ((أحرص الناس على حياة)) وأنهم يفرون من الموت ((وهو ملاقيهم)) وأنهم لا يتدبرون القرآن بل على قلوبهم أقفالها من الجبن وخوف الموت وحب الحياة.

هذه حقيقة الجهاد، إذ يكشف الدين الحق في قلوب الذين يؤمنون به ويعملون له على كل حال، في السعة والضيق، وفي القبض والبسط، ويكشف الدين النافع والذي لا يأتي إليه أصحابه إلا وهو يقدم لهم المتع والرغبات والشهوات.

لقد قال الزنادقة كلمتهم: "إن الأديان جاءت لتحقيق المنفعة الدنيوية للبشر" (على معنى الضلال لإبعاد مهمات الدين وحق العبادة وألبسها المفتون كلمات العلماء زوراً وبهتاناً ((حيثما كانت المصلحة فثم شرع الله)) وعلى قواعد ((أحرص الناس على حياة)) صار الجهاد إفساداً للناس، وإضراراً بوحدة الوطن، وتفريقاً بين الناس على أساس الدين والإيمان، وضرباً

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٢٥