تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بسطوة هذا الكافر القريب، كل هذا يعلمه ويراه ولكنه يظن أن الفتنة أن يفترق البيت الواحد على قاعدة الإيمان والكفر لا أن الفتنة هي الشرك والكفر، فما أبعد هؤلاء عن فقه الكتاب ونور هدايته وخصوصية صبغته.

هؤلاء في زماننا ضعفوا لما رأوا هجمة الباطل العاتية وقسوتها في ضرب خصومها، ولم يعلموا أن هذه وسمة الباطل في كل زمان، وأمتنا اليوم لم تعاني كما عانى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزوتي أحد والأحزاب، ولا عانت بمقدار معاناتها أمام التتار وإفسادهم، ولا أمام الصليبيين واحتلالهم للقدس، ولكن كان في الأمة مجاهدون علماء لا ترهبهم هذه اللحظات، ولا يستسلمون لهذه الزلازل والهزات لأنهم يعلمون أنها أمواج سراب، جاءت لما غاب النور وضعف الناس، فاستنهضوا الناس إلى الجهاد لا غير، ولعنوا كل من ذهب هناك عند المشركين، وفضحوا كل من دعى إلى خور أو جبن أو تخاذل، وصرخوا في الناس أن هلموا إلى جهادكم المبارك، فاستجاب لهم نزاع من القبائل، وقامت سوق الجهاد وتحقق للمؤمنين بعد طول السنين بل مئاتها مقاصدهم.

أما اليوم فقد ارتجفت أقدامهم وخارت عزائمهم وانماثت إراداتهم أمام صرخات الشيطان، وأيقنوا بالهلاك لما رأوا تساقط الدول وسجن المهاجرين والمجاهدين فظنوا كما ظن المشركون أن التاريخ قد توقف ههنا، وأن حسن العمل والفقه أن نحسن خلاص الباقي، وأن نرضي الكفر لعله يقبل بمجرد وجودنا فقط، ونفوسهم تظهر: أين المجاهدون الذين كانوا يحلمون بالخلافة ووراثة الأرض؟! ها هم بين قتيل وأسير، فهذا ليس وقت الوعود ولا زمانها، وإنما هو وقت السكون ومصالحة الآخرين وهم خلال ديارنا بين أظهرنا، والصلح معناه عندهم أن ندخل في دينهم وأن نعمل بشرائعهم، وأن نستظل بظلالهم وأن نقبل شروطهم.

لكن سلوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه لو كان بين أظهركم ماذا سيفعل، وسلوا نور الدين زنكي وصلاح الدين وعمر المختار وعز الدين القسام ومن هم على صورتهم لتعلموا ما هي طريق الأولياء، وما هي هداية القرآن، وما هي الثقال التي تمكث في الأرض ويكتب لها البقاء ويحملها التاريخ سيرة لأجيال الإيمان التي يتصل نسبها بالأنبياء صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين.

هاتان صورتان تظهران عند كل منعطف تاريخي، وفي كل عرض قرآني، وللناس وهم على بصيرة أن يدخلوا في أحدهما بلا تزوير ولا تزويق ألفاظ وشعارات.

﴿ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولاً﴾

إنهم يتمنون الجهاد، ويأملون لو يفتح لهم بابه، ويتفننون به شعراً لماضي ذاهب، أو لبعيد عن بيوتهم، فإذا حضر إليهم، وساقه الله إليهم هربوا عنه، واختلفوا عليه، ولن يعدموا أن يقولوا فيه الكثير.

لقد كانوا يدعون للجهاد وهو بعيد فكانوا يعتذرون أنه فرض كفاية، ولما حضر إليهم صار افساداً في الأرض وخراب الديار، والفتاوى جاهزة والأدلة محتملة والتبرير فن يتقنونه ويتوارثونه.

﴿قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذاً لا تمتعون إلا قليلاً﴾

هكذا يعري الله كل حججهم، ويفضح مكنون نفوسهم، فالأمر كله خوف من الموت والقتل، ومفارقة المتع والمحبوبات ورغائب النفوس.

إن الجهاد في حقيقته صراع بين إيمان المرء بالقضاء والقدر وبين حب الدنيا وكراهية الموت، فالجهاد في سبيل الله تحقيق عملي لحب المرء للدار الآخرة، وتحقيق لقوة يقينه بما كتب الله له، وأن أما أصابه لم يكن ليخطؤه، وأن ما أخطأه لم

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٢٤