تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

منفرة ظالمة، وتلقى ضدهم الإتهامات أنهم سبب البلاء، وأنهم جروا عليها وعلى العباد الخراب والدمار، وأن في جهادهم حجة للغزاة في قتلهم وفسادهم، ولكن هذه فتنة عابرة ومحنة مقضية، والعاقبة للمتقين.

سيكتب التاريخ كلمته لأن الزبد يذهب جفاءً لا روح فيه، ((وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)) ولذلك سيقول التاريخ عن هؤلاء المخربين أنهم مجاهدون وأن موتاهم شهداء، وسيكتب أن خصومهم خونة ومنافقون وجبناء حتى وإن خدعوا البعض أنهم حكماء ومصلحون.

لقد رأيناهم في غزوة أحد يقولون: "لو نعلم قتالاً لاتبعناكم" ولما حضر الكفار إليهم هنا قالوا: ((إن بيوتنا عورة)) يريدون الفرار، ولما دخل عليهم الكفار بيوتهم صارو إليهم والتحقوا بهم وما تلبثوا بها إلا يسيراً.

﴿ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولاً﴾

لقد انفرط عقد العهد عند الضغط والشد، فإنهم قبل قدوم الأحزاب كان لهم عهد وميثاق أن لا يفروا يوم الزحف، ولا ينكصوا على أعقابهم يوم اللقاء، ولا يشكن شاك أنهم كانوا يوم الميثاق كاذبين، بل كانوا صادقين، لكنهم كانوا في سعة، ويرون في أنفسهم الصدق والقوة على أداء هذا العهد على وجهه الصحيح، وهم ينساقون مع الجموع التي تقوي نفوسهم، ولكن لما حضر الناس الصف، وفتن الناس فتنة الموت والقتل، لا فتنة العقائد والتصورات، اضطربت نفوسهم، وشلّ خوف الموت وحب الحياة إراداتهم فطلبوا الخروج من الصف والإختباء في البيوت.

هذا نفاق الإرادات الذي لا يكشفه إلا الجهاد في سبيل الله ومحنه وشدائده، وهو النفاق الغالب في القرآن، وهو النفاق الأشهر في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يدمر هذه الأمة ويجعلها ساحة مستباحة لأعدائهم، فمن خلال هذا النفاق يستسلم الضعفاء ويوالون المشركين ويدخلون في طاعتهم، ويتركون الجهاد في سبيل الله.

من جذر هذا النفاق يتولد الفقه الأعوج، ويمنح المفتون فتاوى الضلال، وتنسج جماعات الإنحراف أحاييلهم لجمع حسنى الشعار الإسلامي مع ضلال السلوك الشيطاني، وتتستر الأهواء الشخصية وراء مصالح الأمة وبيوتها وأركانها، ويلتقي أهله مع المشركين في صف واحد ضد المجاهدين، ويتفنن رجاله في قصف أهل البلاء بألقاب الخسّة والدناءة، ويمتنع أهله من أحكام الفقه إلى كلمات الظلال الوسطية بين الظلمة والنور، وتؤول معارك الإسلام إلى معارك المصالح الذاتية والحزبية.

أهل هذا النفاق يدعون المشركين إلى كلمة سواء في إصلاح الواقع تحت مظلة الجاهلية، ويتبرؤون من المجاهدين لأنهم حققوا إنتصاراً كما يصرخون إن أعادوا مجاهداً إلى حظيرة الجاهلية ومظلتها، ويأنفون أشد الأنفة أن ينسبوا لمكرمات المجاهدين أو يذكروا في سياقهم.

بعض هؤلاء لما حصل الكفر بدارهم لم يروه كفراً، ولما صار جاراً لهم اختلط عليهم نسبه، إذ لا يرون الكفر إلا ما كان غريباً بعيداً، لكن لما صار خلال البيوت ويقيم بين الظهور ويحمل شارات أهل المدائن وأسماءهم لم يروا مانعاً من اللحوق به، لأن الكفر عندهم ما كان أجنبياً، ويعادى إن كان بعيداً، ولو سئل أحدهم هات دليلاً واحداً عن هذا القريب عن ذاك الغريب لما درى ما يقول، لأنه يرى أن دين الغريب هو عينه دين القريب، إذ كلاهما يحكم بشريعة الشيطان، ويرى أن أفعال القريب أشد ضرراً من أفعال الغريب، بل لم يكن لهذا الكافر الغريب يداً ولا إفساداً في البلاد ولا اضراراً بالعباد إلا

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٢٣