فهذه الفئة المؤمنة وقع فيها من قال هذه المقالة حين رأت جند جالوت بكثرتهم وعدتهم، ولكن كان فيها الذين يستحضرون ذكرى الدار الآخرة فقال الله عن هؤلاء:- ((قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين))
إذا تساءل المرء هل استجاب هؤلاء القائلين ((لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده)) لهؤلاء الربانيين العلماء؟ فالجواب نعم ولا شك لأن الله وصفهم بالإيمان قبل، ولكن هذا الخوف الذي وقع لم يمنعهم من الإستجابة لأمر الله وتحريض علمائهم فخاضوا معهم مجاهدين لجالوت وجنوده، وهؤلاء عدتهم عدة أهل بدر كما في الصحيح.
فهذه مراتب ثلاث كما رأيت.
وفي سورة القصص كان مراتبهم كذلك مع فتنة الدنيا، فهذا قارون كان من قوم موسى عليه السلام، فنصحه قومه المؤمنون:- ((لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين، وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين)).
لكن لما خرج على قومه في زينته وقع من بعض هؤلاء الضعف فقال الله تعالى: ((وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ولا يلقاها إلا الصابرون))
فنجّا الله العلماء ومن قال تلك المقالة، مع بيان اتعاظهم وعبرتهم بما وقع، فقال سبحانه وتعالى: ((وأصبح الذين تمنوا مكانه في الأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون))
ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم ((لا يزال البلاء في المؤمن حتى يأتي يوم القيامة ولا ذنب له))، فهذا شأن المؤمن مع البلاء يقويه ويصفيه ويرقيه، وأما البلاء لغيره فيعريه ويكشفه ويفضحه ويسقطه، ولذلك على السالك في هذا الطريق أن يعلم أن البلاء بالمؤمن لا ينتهي حتى يأتيه الموت، فهو في سباق نحو الخاتمة التي يحبها الله للمؤمنين من السابقين والسالكين لهذا الدرب، فالبعض منهم يخرج من هذا السباق تعباً من التكاليف والبلاء، ويرضى بما هو عليه قيستقيل، وهذه لم يرضها الصحابة رضوان الله عليهم بل قالوا: "والله لا نقيل ولا نستقيل"، ولا يعاب على هؤلاء إيمانياً إلا كعيب القادرين على الكمال، وبعضهم يرتكس ويسقط من كل مراتبه حتى يعود عدواً للإسلام والمسلمين وهو لا يدري، ومنافقاً يتكلم بكلمات ومناهج وأحكام المنافقين زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غافل عن نفسه وأقواله، فليعرض كل واحد قوله على كتاب الله تعالى ليرى صورته ومرتبته وكل امرئ حسيب نفسه إن فعل ذلك.
المنافقون ومرضى القلوب تركوا الرباط في وقت واجب عليهم فيه الثبات ودوام المصابرة، وساقوا حججاً كاذبة باطلة لترك هذا الرباط، وأما المؤمنون مع طالوت فأصابهم بما يصيب الإنسان وقت رؤية الكثرة التي تحمل الموت، ولكن إذا ذكر تذكر، وإذا وعظ قوي قلبه فأقبل، وأولي العلم هم الذين لا تخدعهم الصور ولا ترهبهم الأصوات، ولا يقعقع لهم في الشنان، فالموت مطلبهم لأنها الشهادة، والكثرة مغلوبة ولو بعد حين إن خلت من ذكر الله تعالى، لأن مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت، وهؤلاء هم نور الهدى وغيظ العدى، ولا تزيدهم المحن إلا نوراً وصفاءً وقوة، إمامهم في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعلى رأسهم الصديق الأكبر أبو بكر الذي وقف في حرب المرتدين موقفاً تعلق به الإسلام ووجوده، فلم تكن الغمرات تزيده إلا قوة، ولا أخبار الشهداء إلا عطاءً ودفقاً وثقة بوعد الله