تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد ثبت أن أي إصلاح داخلي مهما بلغ شأنه فإنه إلى زوال حين يكون بمقدار الأعداء تحريك هذا الداخل كما يريدون، ويسيرون قادته كما يحبون، ويتحكمون في القرارات التي تتحكم في مصير الأمة ومقدراتها كما يشاؤون، ولذلك فمعيار قوة الأمة هو الإنطلاق نحو الخارج، ومعيار ذلتها وضعفها وهوانها أن يأتيها الأعداء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا)) ولقوله ((ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا)) وقد قال دارسوا التاريخ إن معيار حياة الأمم هو الإنطلاق نحو الخارج، فهذا ذو القرنين، والرجل المهتدي بلغ مشرق الأرض ومغاربها، ونشر الحق والعدل، وأنا أعتقد أن ذا القرنين رجل من اليمن خرج حتى غزا أوروبا وبلغ البلاد الواطئة فيها وهي مغرب الشمس، وهي أرض كانت في القديم تغرق المياه في الشتاء حتى تكون كالماء المختلط بالطين وهو العين الحمئة، ثم بلغ مشرق الشمس حيث وصل إلى أقصى الشمال الشرقي هناك حيث يمتد النهار نصف عام ويمتد الليل كذلك، فقد بلغها في وقت كانت الشمس لا تغرب فلا يسترها الليل، وهو قوله تعالى ((لم نجعل لهم من دونها ستراً)) إذ الليل ستر للشمس، ثم رجع إلى موطنه فمر على "منشوريا"، وهي المنطقة التي بنى فيها السد، ومنشوريا هي أول مكان في العالم أنجب حداداً، وهي من أكثر مناطق العالم وجوداً للحديد، وأما قولي من اليمن فلأدلة كثيرة منها: اسمه ((ذو القرنين))، لفظ عربي ينتشر هناك: كذي النواس اليهودي صاحب حادثة الأخدود، وهي موثقة في القرآن وفي تواريخ النصارى، وسيف بن ذي يزن وغيرهما، والقصد أن الإنطلاق نحو الخارج هو عنوان الحياة، وهؤلاء المنافقون يريدون أن يرتكسوا إليه تاركين خط الدفاع النبوي للفراغ، وهم يزعمون أن البلاء في داخلنا من السراق لا من هؤلاء الأعداء الذين يقفون على حدودنا.

يقول القرآن ((وما هي بعورة إن يريدون إلا فراراً) (

لنتذكر أن هؤلاء ربما شاركوا في حفر الخندق مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهم كذلك مرابطون حول الخندق، ولكن كان ثباتهم إلى حين، وصبرهم لم يقم حتى النهاية، بل تضعضع في وسط المحنة، وعند حد معين طلبوا الذهاب واستأذنوا، فالمرضى درجات كمرضى البدن والمعادن، فإنها تتعرض للضغط والشدة والجهد، وإذا كان فيها خبث ظهر في مرحلة من مراحل الشدّ والضغط، والمؤمن الصادق هو النقي الصافي من الخبث، فإذا جاءت المحن والفتن اتخذها سبيلاً للرقي وتصفية النفس والقلب، فيزداد بها قوة وصفاءً من الأمراض والذنوب، وأما المريض فتكسره المحن وتظهر خبث نفسه فيستسلم لها ويتابع واردات الشر على قلبه.

في سورة البقرة كشف القرآن مراتب الناس في الصف المؤمن مع محنة الجهاد في سبيل الله تعالى كما في قصة طالوت، وفي سورة القصص كشف القرآن نفس هذه المراتب مع محنة وفتنة الدنيا كما في قصة قارون.

ففي قصة طالوت قال تعالى ((فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلاً منهم))

هكذا تمت التصفية الأولى وهم في طريقهم لمقابلة جند الطاغية جالوت، إذ سقط في هذه المحنة الكثير ولم يبق معه إلا القليل. وهؤلاء سماهم الله تعالى بالمؤمنين فقال سبحانه وتعالى: ((فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده)).

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢١٩