تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فها هم وقعوا تحت ضغط الآية الكونية الربانية، وهم يدركون أنها بسبب معصيتهم لموسى وردهم عليه كما سيأتي من سؤالهم له أن يكشف عنهم هذه الآيات فقال تعالى ((ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل))

هكذا رضخوا للضغط، وتحت هذا الضغط قدموا الوعود لموسى عليه السلام بأن يحققوا له مطالبه إن رفع عنهم هذه المصائب.

فماذا كان؟

قال تعالى:- ((فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون))

وهي كذلك في سورة الزخرف، قال تعالى:- ((وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون، وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون، فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون))

فالجاهلية لا تذهب باختيارها، ولما تتنازل إنما تتنازل من أجل المكاسب، ولذلك لا ينفع معها إلا الإزالة من جذورها، وهذا لا يتحقق واقعاً إلا بالجهاد، وكما تكرر سابقاً فإن الآيات الكونية العامة في إفناء المخالفين قد توقفت بعد أن شرع الجهاد في سبيل الله تعالى.

﴿ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فراراً﴾

القصة القرآنية تذهب مباشرة إلى تحقيق الواقع النفسي للحدث، ولولا هذه الرواية الربانية لكان للبعض أن يعذر هؤلاء وأمثالهم، وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يعذر المتخلفين عن تبوك، إذ أتى كل واحد منهم بعذر له منعه من اللحوق به في هذه الغزوة، ونزل القرآن يبين حقيقة الإعتذارات وكشف أكاذيبها وعاتب حبيبه محمداً صلى الله عليه وسلم حين قبل اعتذاراتهم فقال سبحانه وتعالى ((عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين))

وقد كشف القرآن في تلك السورة الفاضحة سمات هؤلاء الكاذبين بما سنأتي عليه إن شاء الله تعالى في قصة القرآن مع غزوة تبوك.

الإعتذارات التي قدمها المتخلفون ومرضى القلوب والمنافقون والزنادقة تتستر بالحيل العقلية وبالظروف الواقعية لتستر حقائق القلوب وخوفها من الموت وما كان في معناه، وجبنها من لقاء الأعداء، ويكون من هؤلاء الفقيه الذي يتستر بالفقه، والمفكر الذي يتستر بعمق التفكير والنظر، والسياسي الذي يتستر بإمكانية تحقيق الأفضل بالحوار والحسنى، وكسب الأصوات، والعامي الذي يتستر بالظروف القاهرة، وهي كلها قد كشفت في علم الله تعالى أنها حبط لا روح له.

فهؤلاء يستأذنون ترك الرباط ليذهبوا إلى بيوتهم حتى يمنعوا أهلهم من الأعداء، لأن أهليهم لا حارس عليها؛ لأن بيوتهم تواجه الأعداء وهي ما يليه، ولا مانع لها من أعدائها الداخليين من السراق وغيرهم، وتكييف قولهم يشبه هؤلاء الذين يهربون من الجهاد في سبيل الله تعالى لإصلاح داخلهم وبواطنهم، إذ يقولون كيف نجاهد وإيمننا ضعيف وعلمنا ناقص وأوضاعنا فاسدة، وخصوماتنا كثيرة.

والقرآن يرد عليهم ((وما هي بعورة إن يريدون إلا فراراً))

إن هذا الداخل لن يصلح وقد عريت أسوار الأمم أمام أعدائها، ولن تفرغ الأمة لترميم ما تعانيه وحصنها مهدم مستباح.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢١٨