تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما إن ظنوا أن رغد العيش الذي جاءهم بسبب الأصنام حول الكعبة مانعهم من العذاب فهم جهلة غير مبصرين، لأن الكثير من القرى كانت كذلك ثم دمرت، فقال سبحانه عقب ذلك: ((وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً وكنا نحن الوارثين))

أما ارتباط هذا الدين بما يحدثه من تغيير مراكز القوى والقرار فقد أدركته قريش وهي تقول:- ((لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)).

ولذلك فالصحابة رضي الله عنهم يعلمون أن الجهاد هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا الدين بما يمثله التوحيد من تحرر الإنسان من عبودية الطواغيت البشرية والحجرية ليكون عبداً لله تعالى، وبما يستلزم هذا التحرر من مقتضيات وواجبات.

الإسلام حق كله، وغيره هو الجاهلية، والجاهلية نظام يرتبط كله في منظومة لا تقبل التنازل عن أفرادها وآحادها لأنها تعلم أن أي تنازل عن ذلك يعني بداية التحلل.

إذا كان الأمر كذلك، وهو ولاشك كذلك، فما طبيعة العلاقة إذاً بين الإسلام والجاهلية؟

هذه القضية ممهورة بسيرة الأنبياء في القرآن، لا تتخلف عنها حالة واحدة، وهي أجلى ما تكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومخالفيه فمال هؤلاء المبتدعة اليوم لا يفقهون هذا ولا يقرون به؟!

سيقولون: لقد عاهد رسول الله اليهود، وهذا ضد ما يقال إن الإسلام لا يقبل الآخر. فيقال لهم:- هب أن الأمر كذلك (مع أنه ليس كذلك كما يتصورون ويتوهمون) فما هي العاقبة التي صار الحال إليها؟!

ثم لو قال قائل:- هذا من سفاهة اليهود وقلة عقولهم وسوء اختياراتهم.

فيقال لهم:- هذا كله حق، ولا تنسوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يجتمع في جزيرة العرب دينان. ثم ليتذكر هؤلاء أن الحديث لا يدور حول أشخاص بلا سلطان يعيشون تحت مظلة الآخر، فهذا يقبله الإسلام من الآخرين كمستأمنين وأهل ذمة، وهذا تقبله الجاهلية من المسلمين أن يعيشوا تحت مظلتها يحتكمون لأمرها وينصهرون في داخلها.

لكن هل هذا هو الإسلام الذي خلّفه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمله الخلفاء الراشدون من بعده؟!

هذه هي القضية إذاً، فكلما وعينا على الإسلام وعلى الجاهلية وعلى سنن التاريخ أدركنا أن الجهاد في سبيل الله هو طريق هذا الدين، وهو طريق أهله الصادقين، وهو طريق العلماء والأولياء والشهداء والصالحين.

في فترة من فترات المدافعة والمصادمة تضعف الجاهلية وتبدأ مداركها الشعور بأنها تخسر المعركة، وهي ترى مقابل هذا صعود الإسلام وتهيؤه للوراثة فتلقي الحبل السحري الأخير للإنقاذ، ولتلتقط الأنفاس لمعركة قادمة، فتقبل المهادنة مع الإسلام، وقبول شراكته، مع وعودها أنها ستمكن المسلمين من بلوغ أهدافهم دون جهاد وقتال، وهي تشترط على المسلمين التخلي عن الجهاد لتفسح له مجال التغلب والتمكين بسلاسة وأمان ودون مغالبة، ويقع المسلمون في هذا الشرك الجاهلي فما أن يلتقط الشرك أنفاسه وتعاوده العافية حتى يضرب ضربته التي لا ترحم ضد المسلمين، وهذا معمول به في التاريخ القديم والمعاصر، وقد سجّل القرآن هذه القضية ليعتبر بها المؤمنون، ففي سورة الأعراف قال تعالى عن آل فرعون ((وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين، فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين))

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢١٧