المبتدعة تدرك لماذا طريق الأنبياء يؤدي قدراً لازماً للجهاد بين الإسلام والكفر، وأن طريق المبتدعة يقبل المجاورة والرضى بمظلة الجاهلية.
التوحيد بفهمه العميق الشامل يؤدي إلى المفاصلة التي تؤدي حتماً للمصادمة، وقد كانت هذه المفاصلة مع الأنبياء السابقين تؤدي إلى هلكة المشركين هلاكاً قدرياً عاماً، ولكن منذ بعثة موسى عليه السلام كان الجهاد في سبيل الله تعالى.
حين تفهم هذا تفهم لماذا الجهاد في سبيل الله قدر التوحيد وبيئته وحياته، وحين تبحث عن طريق آخر غير الجهاد ضد الأغيار والجاهلية فإنك تتنازل عن مفهوم التوحيد في بعض جوانبه.
نعم هناك طريق آخر وهو الإسرار بالتوحيد والإنكار بالقلب، وهذا يسع الناس وهو أضعف الإيمان، لكن شتان بين ذروة سنام الإسلام وبين أضعف الايمان، لكن ليتذكر هؤلاء الذين يسرون إيمانهم أن هناك سؤال رباني سيكون حاضراً يوم القيامة إن كانت لهم قدرة على الهجرة إلى مواطن الجهاد ومدن عمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال تعالى:)) إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً))
إن لهؤلاء فقهاً يجب أن يعلموه حتى لا يخدعوا أنفسهم تحت هذا الباب وأهم ما يقال لهؤلاء: إن منزلة السكوت والإنكار القلبي لا تقبل ممن قال الباطل من قبل، فإن هؤلاء لا تنفعهم التوبة إلا إذا نسخوا سيئاتهم بحسنة تمحوها كما قال الله تعالى فيهم ((إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وانا التواب الرحيم)) وقال تعالى ((وأتبع السيئة الحسنة تمحها)).
والواقع يشهد أن الكثير من هؤلاء قالوا الباطل وولغوا في أعراض الناس علناً وصراحة فليبادروا قبل حلول الأجل.
لقد وعى الصحابة الأوائل رضوان الله عليهم هذه الحقيقة القدرية الملازمة لهذا الدين، ولذلك كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم الإذن بالجهاد، ولم يكن هذا السؤال لينشأ لو فهم الصحابة ما يريده المبتدعة المرضى اليوم، إذ كان يسعهم وهم أوسع عقلاً وأبصر فقهاً وأعلم بقومهم، أن يوجدوا لأنفسهم من الصيغ التي يبتدعها من يزعم الحكمة والمقاربة الحسنة في الإصلاح، لكن كيف يمكن أن يقع هذا في تصورهم وهم يرون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحكم عليهم إن لم يسلموا لله ويرضوا دينه أنهم كفار خالدون في جهنم، ويرونه وهو يسبّ دينهم ودين آبائهم ويسفه أحلامهم واختياراتهم.
لقد كانت الأصنام والأوثان عند قريش قضية إعتقاد ولاشك، ولكنها كانت قضية انتساب وبناء اجتماعي وإرث يشكل مراكز القوى والقرار في داخل المجتمع، ولذلك ارتبطت الأصنام والأوثان بوصفها اعتقاداً وعبادة مع الجانب الإقتصادي كما قال تعالى ((وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا)) فردّ الله عليهم بأن ذكرهم أن النعم منه لا من أصنامهم فقال ((أولم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون)).