تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد أدرك بعضهم هذا فقال: لما كنا دعاة إلى الله كانت حربنا حول "الهوية" فلما استغرقنا في "الحزب السياسي" صارت همومنا هي هموم الناس ومتطلباتهم حول الخبز والوظيفة وإصلاح المرافق العامة.

والحق أن هذه البدعة المعاصرة هي أشد وطأة من بدعة خلق القرآن، وأشد من بدع القدرية والجبرية في زمانها، بواقعها وآثارها، فإن حقيقتها مسخ هذا الدين من أصليه: العبودية وذكرى الدار الآخرة، وتجيير الدين من عبودية الله تعالى وتحقيق الأجر الأخروي إلى مجرد فعل إنساني يحقق المصالح الدنيوية، وأسهل مثال يوصل المراد هو الفرق بين من يترك الخمر رجاء رضوان الله والدار الآخرة، ومن يتركه لنهي الطبيب له عنه بسبب إيذائه لصحته وحياته.

لقد تخلى هؤلاء المبتدعون المرضى عن دعوة الناس إلى الحق، فقلب نظرك في دعوة الحوار بين الأديان، إذ تخلى هؤلاء من شعار التقارب بين الأديان لعلمهم بضلالها ولما تنطوي عليه من التنازل الذي لا يقبله الفرقاء، وحملوا دعوة الحوار بين الأديان، لكن هل ترى أحد من هؤلاء يحمل دعوة القرآن في هذا القرآن:)) قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون)).

فهذه دعوة القرآن لأهل الكتاب ولغيرهم من باب أولى، وهي دعوة التوحيد قبل كل شيء، فإن تولوا فقولوا: "اشهدوا بأنا مسلمون" وقول المسلمين بهذا يعني أن يخبرهم بما يضاد الإسلام من الاسم والعاقبة، وهذا من النصح الحقيقي، وإقامة الحجة، وأما زعم الحكمة بعدم إخبارهم وإعلامهم بهذا فهو خيانة للحق أولاً ثم خيانة وخداع لهم، وإبطال للحجة التي بعث بها الأنبياء.

إن الذين استبدلوا الذي هو شر وبدعة بالذي هو دين وجهاد في سبيل الله تعالى، فتحولوا إلى (أحزاب سياسية!!) وتركوا الجهاد

وذموا أهله لم يكن فعلهم هذا بسبب عدم إيمانهم بكفر الأعداء من أنظمة جاهلية أفسدت الدين والدنيا كما يزعمون، ودليل ذلك أن هذه الطوائف المبتدعة الضالة سارت في نفس المنهج بلا تخلف لما جاء كفر صريح أصلي فأفسد الدين والدنيا كذلك، فعلموا ما هم عليه من العمل في ظل الأنظمة المرتدة الجاهلية وتوحد خطابهم في كلا الصورتين بلا تغيير.

يزعم بعض مفتي هذه الطوائف المبتدعة المريضة أن المخالفين لهم من الدعاة والمجاهدين يهربون من إصلاح الواقع بما معهم من الدين حتى يتحقق الحكم لله وحده، وهذا يجر المفاسد على المسلمين الذين يعيشون تحت ظل الأنظمة الجاهلية.

ويقال لهؤلاء: إن تصوركم للحل الإسلامي مقلوب، ويخلط بين الظل والحقيقة، فلا أحد يدعو إلى توقف العلماء والدعاة من بيان حكم الله تعالى في كل النوازل والحوادث، ولا يدعو أحد من حملة الحل الإسلامي المجاهد أحداً من المسلمين من ممارسة دينه وسط أصنام الجاهلية وأوثانها ومؤسساتها، إنما هناك فرق بين كونك بديلاً للجاهلية، تعلن حكم الله تعالى فيها، وتبين فساد أفعالها ضمن أعظم أصلين هما العبودية وذكرى الدار الآخرة، وتبين حكم المخالف لذلك في مسألة من المسائل أن الخلاف ديني، فهو يخالفه لأنه لا يقبل الأصل وهو العبودية لله والرضا بحكمه، وأنه إن وافقك في مسألة فهذا لا يعني أنه مصلح صالح بل هو كافر ما لم يقبل أصل الدين، ولا يقدم حكماً على حكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وحين تتفكر في الفرق بين هذا ((وهو كما تعلم الموافق لحقيقة دعوة الأنبياء والرسل وأتباعهم)) وبين ما يفعله

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢١٥