تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لماذا لا مقام لهم؟ وما الذي أثبت أن موقف المرابطين حول الخندق غير صالح؟ وما هو الخيار الآخر غير هذا الرباط والمصابرة؟

أجوبة هؤلاء القوم ههنا هي عينها أجوبة الناكصين عن الجهاد في كل زمن، إذ أن هؤلاء يبررون نكوصهم كون هذا الطريق هو طريق الموت لا محالة، وطريق الفناء بلا مثنوية، فلا خيار غير هذا نُبصره أو نراه في الأفق، طريق الجهاد يسوق الشباب لحتفهم وموتهم، ويرسلهم للقبور أو السجون.

إذاً ما هي خياراتكم؟

لقد أبطل القوم التوحيد، إذ صارت الأديان وجهات نظر شخصية، واختيارات حرة، فلا يكفر أحدٌ أحداً، ولا يحكم أحد على الآخر بالخلود في النار، لأن هذا شرط السياسة والعمل فيها، فمن دعا إلى تحكيم الشرع صاحب رأي لا يختلف حاله عمن دعا إلى تحكيم غير شرع الله تعالى.

لا يخوّف المخالف بعذاب القبر ولا بعذاب النار والخلود فيها، لأن الأمر بين الفريقين ليس أمراً دينياً، فليس أحدهما نائباً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا وارثاً لدينه وعمله، وليس الآخر وارثاً لأبي جهل وأبي لهب وفرعون وهامان.

ثم الصعيد الجامع هو طعام يقدم ومشروع دنيوي يحقق لا قول الله تعالى ((إنما المؤمنون اخوة)) ولذلك فالمجاهدون أعداء الوطن فهم أعداؤهم، والعلمانيون يريدون مصلحة الوطن فهم إخوانهم.

أما أن المجاهدين أعداء الوطن فلأنهم يقاتلون الكفار، ولأنهم يفرقون بين الناس على قاعدة الحب في الله والبغض في الله، ولذلك يفرقون بين المرء وزوجه، وبين الرجل وأخيه، فيقاتل أبو عبيدة أخاه، وأبو بكر ابنه، وأما العلمانيون الزنادقة إخوانهم فلأنهم في صعيد واحد في تحقيق الرخاء والسعادة والراحة للناس.

المجاهدون يقاتلون فيقتلون ويقتلون في سبيل الله كما قال تعالى ((الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت)) ولذلك فهم خصومهم، وأما أعداء الله فهم إخوانهم لأنهم يريدون السلم الوطني ووحدة النسيج الوطني (!!).

إن النزاع حقيقي بين وارث الأنبياء وبين أهل البدعة والضلال والنفاق في زماننا، إذ القرآن يقرر أن الناس يفترقون على أساس الإيمان والطاعة والعبادة لا على غير ذلك من المسائل الأخرى، وإن نشأ نزاع على غير ذلك إنما لارتباطها بالعبودية لله تعالى والدار الآخرة، والذين يحققون الصورة الحقيقية للوراثة النبوية هم المجاهدون، ولذلك هم عالم آخر ونسيج مختلف عن شمولية الصورة التي تصنعها الجاهلية، ويحاول جمع من المسلمين من علماء ومفكرين وحركات أن يندمجوا داخل هذه الصورة الجاهلية، بل هم يحاربون لقبول ورضا الجاهلية عنهم، والذي يعري حقيقة الصورتين هو القرآن الكريم، فالصراع بين صورتين قد تتشابهان في بعض الملامح ولكن الإفتراق في إطار كل صورة ولون كل صورة.

إن صورة الأنبياء وأتباعهم من الدعاة والمجاهدين تشكل كل خطوطها المتعددة العبودية لله وذكرى الدار الآخرة، وأما صورة المخالفين فهي صورة شوهاء لا تشابه الأولى إلا أن بعض الخطوط متشابهة، يفقه هذا كل من قرأ كتاب الله وتنعم فيه وتدبره، ولذلك فالخلاف في الأصل والقاعدة لا في الخطوط الفرعية.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢١٤