إن كان هذا الكل قد أراد الله به الشرع، فالذي فرض عليك ما حصل لك به النعيم هو الله، والذي فرض عليك ما كان به البلاء وهو الجهاد هو الله تعالى. "فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً".
وإن كان هذا الكل قد أراد الله به الأقدار الكونية من الحسنات والسيئات (وهو الأقرب) فهي كلها من عند الله، يجريها الله تعالى بسبب الجهاد، نعيماً وابتلاءً، وما المجاهدون إلا طائعين لربهم، ممتثلين لأمره.
النفاق ومرض القلوب البارحة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هو ما نراه اليوم من أقوال ومواقف يقولها البعض ويتقنونها كذلك، ولكن يمنع هؤلاء المنافقين والمرضى اليوم أن يحملونها على أنفسهم أنهم يحسون بثقة نفسية بصحة هذا الدين وصوابه، فيستبعدون أن يكونوا هم أهل هذه الآيات، ولو فهموا النفاق على حقيقته لتيقنوا أنهم منافقين ومرضى قلوب حين يسبون على المجاهدين في سبيل الله بما سب أسلافهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
قد يقولون لجهلهم: وهل المجاهدون اليوم على الحق الصريح الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ثم هل الكفار اليوم هم في وضوح كفرهم زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهل الجهاد اليوم في نفس ظروف الجهاد زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.
أسئلة كثيرة يثيرونها جهلاً وتبريراً لمواقفهم المرضية والمنافقة، ومما يشهد أنها مرضية منافقة أن خصوم المجاهدين في زماننا لم يقدموا رداً شرعياً يحمل سمة الفقه الذي يعرفه طلاب العلم ضد ما يقوله المجاهدون من أدلة وفقه، وإن كان لهم دليل فهو دليل وحيد يتردد على ألسنتهم جميعاً:- "هؤلاء يسيؤون للإسلام"، والحق أن إساءة المجاهدين اليوم للإسلام هي عين اساءة (!!) إبراهيم عليه السلام للإسلام عندما كسر أصنام قومه (وقد شرحت هذا في كتاب آخر). وأعوذ بالله من أن يكون إبراهيم عليه السلام قد أساء للإسلام، بل إن هؤلاء الذين يداهنون في دين الله تعالى هم الذين يكذبون على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى الإسلام وعلى العالم أجمع.
أما الذين يقولون: هذا جهاد لا إجماع عليه، والرسول هو الرسول فهو الإجماع وفوقه، فنقول: لم يكن الجهاد في سبيل الله تعالى يوماً اختياراً وحيداً لكل الأمة المسلمة، فقد افترقت عليه زمن النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن يشهد لهذا، ولكن القرآن يسجل المخالفين في خانة النفاق ومرضى القلوب، واليوم يريدون أن يجعلوا من أنفسهم أصحاب رأي معتبر ليجعلوا الجهاد وواقعه مسألة اجتهادية.
واختلف الناس والأمة (!!) في جهاد الصليبيين، واختلف الناس والأمة (!!) في قتال التتار، واختلف الناس والأمة في قتال الصليبيين في حملتهم الأخيرة عند ضعف الخلافة العثمانية وسقوطها، يعلم هذا من يعلمه ويجهله من يجهله، ومن جهله فلا يحق له أن يتكلم في قضايا الأمة ومقدراتها.
أغلب هؤلاء يتسترون باسم الفكر الإسلامي، وهو في أغلبه لوك كلام الجاهلية بعبارات شرعية، ومن تستر باسم الفتوى فهي مجرد رؤى ذاتية لا دليل عليها إلا العبارات العامة الموهمة.
أما أسئلتهم هذه فالحقيقة هي شبه نفسية، وفي جوهرها تعطيل لشرع الله ودينه والجهاد في سبيل الله، وإبطال للعبرة القرآنية، وإن تجردت عن الهوى (تنزيلاً في النقاش) فهي تدل على جهل بكتاب الله، وجهل بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وجهل بالتاريخ وجهل بالواقع، فهي أسئلة الظلمات حقاً.
﴿وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا﴾